الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٤ - تأويل آية
وصف بذلك، فوجب أن يكون معناها ما ذكرناه؛ على أنه لا يمتنع أن يكون معنى الرحمة فى الأصل ما ذكرتم [١] ، ثم انتقل بالتعارف إلى ما ذكرناه كنظائره. و قد وصف اللّه تعالى القرآن بأنه هدى و رحمة من حيث كان نعمة، و لا يتأتّى فى القرآن ما ظنوه [٢] ؛ و إنما وصفت رقة القلب بأنها رحمة؛ لأنّها ممّا تجاوره الرحمة التى هى النعمة فى الأكثر، و توجد عنده، فحلّ محلّ وصف الشهوة بأنّها محبة لمّا كانت توجد عندها المحبة فى الأكثر؛ و ليست الرحمة مختصة بالعفو؛ بل تستعمل فى ضروب النّعم، و صنوف الإحسان؛ أ لا ترى أنّا نصف المنعم على غيره، المحسن إليه بالرحمة، و إن لم يسقط عنه ضررا، و لا تجاوز له عن زلّة؛ و إنما سمى العفو عن الضرر و ما جرى مجراه رحمة من حيث كان نعمة؛ لأنّ النعمة بإسقاط الضرر تجرى مجرى النعمة بإيصال النفع، فقد بان بهذه الجملة معنى الآية، و بطلان ما ضمنه السائل سؤاله.
فإن قيل: إذا كانت الرحمة هى النعمة، و عندكم أن نعم اللّه تعالى شاملة للخلق أجمعين، فأىّ معنى لاستثناء مَنْ رَحِمَ من جملة المختلفين إن كانت الرحمة هى النعمة؟و كيف يصحّ اختصاصها بقوم دون قوم و هى عندكم شاملة عامّة؟
قلنا: لا شبهة فى أنّ نعم اللّه شاملة للخلق أجمعين؛ غير أنّ فى نعمه أيضا ما يختصّ بها بعض العباد [٣] ، إما لاستحقاق، أو لسبب يقتضي الاختصاص/فإذا حملنا قوله تعالى:
إِلاََّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ على النعمة بالثواب، فالاختصاص ظاهر، لأن النعمة به لا تكون إلا مستحقّة، فمن استحقّ الثواب بأعماله وصل إلى هذه النعمة، و من لم يستحقّه لم يصل إليها.
و إن حملنا الرحمة فى الآية على النعمة بالتوفيق للايمان و اللطف الّذي وقع بعده فعل الإيمان كانت هذه النعمة أيضا مختصّة، لأنّه تعالى إنما لم ينعم على سائر المكلّفين بها؛ من حيث
[١] ت، حاشية الأصل (من نسخة) : ما ذكر.
[٢] س: «قالوه» .
[٣] ت: «الخلق» .