الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٢٩ - تأويل آية
و أعلمهم أنّ ذلك يحييهم من حيث كان فيه قهر للمشركين، و تقليل لعددهم، و فلّ لحدّهم؛ و حسم لأطماعهم، لأنهم متى كثروا و قووا استلانوا جانب المؤمنين؛ و أقدموا عليهم بالقتل و صنوف المكاره؛ فمن هاهنا كانت الاستجابة له عليه السلام فى القتال تقتضى الحياة و البقاء؛ و يجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ ؛ [البقرة: ١٧٩].
و ثالثها ما قاله قوم من أنّ كلّ طاعة حياة، و يوصف فاعلها بأنه حىّ، كما أن المعاصى يوصف فاعلها بأنه ميت، و الوجه فى ذلك/أنّ الطائع لما كان [١] منتفعا بحياته، و كانت تؤديه إلى الثواب الدائم قيل: إن الطاعة حياة؛ و لما كان الكافر العاصى لا ينتفع بحياته؛ من حيث كان مصيره إلى العقاب الدائم كان فى حكم الميّت؛ و لهذا يقال لمن كان منغّص [٢] الحياة، غير منتفع بها: فلان بلا عيش و لا حياة، و ما جرى مجرى ذلك من حيث لم ينتفع بحياته.
و يمكن فى الآية وجه آخر، و هو أن يكون المراد بالكلام الحياة بالحكم لا فى الفعل؛ لأنا قد علمنا أنه عليه السلام كان مكلّفا مأمورا بجهاد جميع المشركين المخالفين لملته و قتلهم، و إن كان فيما بعد كلّف ذلك فيمن عدا أهل الذمة على شرطها؛ فكأنه تعالى قال: استجيبوا للرسول و لا تخالفوه، فإنكم إذا خالفتم كنتم فى الحكم غير أحياء، من حيث تعبّد عليه السلام بقتالكم و قتلكم، فإذا أطعتم كنتم فى الحكم أحياء؛ و يجرى ذلك مجرى قوله تعالى:
وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً ؛ [آل عمران: ٩٧]؛ و إنما أراد تعالى أنه يجب أن يكون آمنا؛ و هذا [٣] حكمه، و لم يخبر بأن ذلك لا محالة واقع.
فأما المجبرة فلا شبهة لهم فى الآية، و لا متعلّق بها؛ لأنه تعالى لم يقل: إنه يحول بين المرء و بين الإيمان، بل ظاهر الآية يقتضي أنّه يحول بينه و بين أفعاله، و إنما يقتضي ظاهرها أنه يحول بينه و بين قلبه؛ و ليس للإيمان و لا للكفر ذكر، و لو كان للآية ظاهر يقتضي
[١] ش: «إذا كان» .
[٢] حاشية ف (من نسخة) : «متكدر» .
[٣] حاشية ف (من نسخة) : «و هكذا حكمه» .