الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٢٧ - تأويل آية
و الحث لهم [١] على الطاعات قبل فوتها، لأنه لا فرق بين تعذّر التوبة و انقطاع التكليف بالموت و بين تعذّرها بإزالة العقل.
و ثالثها أن يكون المعنى المبالغة فى الإخبار عن قربه من عباده و علمه بما يبطنون و يخفون؛ و أنّ الضمائر المكنونة [٢] له ظاهرة، و الخفايا المستورة لعلمه بادية؛ و يجرى ذلك مجرى قوله تعالى:
وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ ؛ [ق: ١٦]، و نحن نعلم أنه لم تعالى يرد بذلك قرب المسافة، بل المعنى الّذي ذكرناه.
و إذا كان عزّ و جل هو أعلم بما فى قلوبنا منّا، و كان ما نعلمه أيضا يجوز أن ننساه، و نسهو عنه، و نضلّ عن علمه-و كل ذلك لا يجوز عليه-جاز أن يقول: إنه يحول بيننا و بين قلوبنا؛ لأنه معلوم فى الشاهد أن كل شيء يحول بين شيئين فهو أقرب إليهما.
و لما أراد تعالى المبالغة فى وصف القرب خاطبنا بما نعرف و نألف؛ و إن كان القرب الّذي عناه جلّت عظمته لم يرد به المسافة، و العرب تضع كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة؛ فيقولون: فلان أقرب إلى قلبى من فلان، و زيد منى قريب، و عمرو منّى بعيد؛ و لا يريدون المسافة.
و رابعها-ما أجاب به بعضهم-من أنّ المؤمنين كانوا يفكّرون فى كثرة عدوّهم، و قلة عددهم، فيدخل قلوبهم الخوف، فأعلمهم تعالى أنه يحول بين المرء و قلبه، بأن يبدّله بالخوف الأمن؛ و يبدّل عدوّهم-بظنهم أنهم قادرون عليهم و غالبون لهم-الجبن و الخور.
و يمكن فى الآية وجه خامس؛ و هو أن يكون المراد أنه تعالى يحول بين المرء و بين ما يدعوه إليه قلبه من القبائح؛ بالأمر و النهى و الوعد و الوعيد؛ لأنا نعلم أنه تعالى لو لم يكلف العاقل مع ما فيه من الشهوات و النفار لم يكن له عن القبيح مانع؛ و لا عن مواقعته رادع؛ فكأنّ التكليف حائل بينه و بينه؛ من حيث زجر عن فعله، و صرف عن مواقعته؛
[١] ساقطة من ف.
[٢] حاشية ف (من نسخة) : «المكنومة» .