الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٩٣ - تأويل آية أخرى
و ثانيها أن اللّه تعالى يرزق من يشاء رزقا غير مضيّق و لا مقتّر؛ بل يزيد فى السّعة و الكثرة على كل عطاء المخلوقين [١] ، فيكون نفى الحساب فيه نفيا [٢] للتّضييق، و مبالغة فى وصفه بالسّعة، و العرب تسمّى العطاء القليل/محسوبا، قال قيس بن الخطيم:
أنّى سربت و كنت غير سروب! # و تقرّب الأحلام غير قريب [٣]
ما تمنعى يقظى فقد تؤتينه # فى النّوم غير مصرّد محسوب [٤]
و ثالثها أن يكون المعنى أنه يرزق من يشاء، أى من غير طلب للمكافأة أو إراغة لفائدة تعود إليه، أو منفعة ترجع عليه، لأنّ من شأن أهل الدنيا أن يعطوا ليكافئوا و لينتفعوا، و لهذا يقال فيمن يقصد بالعطية إلى هذه الأمور: فلان يحاسب الناس فيما يعطيهم، و يناقشهم فيما يوصّله إليهم، و ما أشبه ذلك، فلما انتفت هذه الأمور من عطاياه سبحانه جاز أن يقول إنه يرزق بغير حساب.
و رابعها ما أجاب به قطرب، قال: معنى الآية يعطى العدد الكثير لا ممّا [٥] يضبطه الحساب، أو يأتى [٦] عليه العدد، لأن مقدوره تعالى لا يتناهى، و ما فى خزائنه لا ينحصر، و لا يصحّ عليه النفاد؛ و ليس كالمعطى منّا الألف من الألفين، و العشرة من المائة؛ لأن مقدار ما يتّبع له و يتمكّن منه محدود متناه، و لا تناهى و لا انقطاع لما يقدّر سبحانه عليه.
و خامسها أنه يعطى عباده فى الجنة من النعيم و اللذات أكثر مما استحقوا، و أزيد مما وجب لهم، بمحاسبته إياهم على طاعتهم كما قال تعالى: مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللََّهَ قَرْضاً
[١] ت، و حاشية الأصل (من نسخة) : «عطاء للمخلوقين» .
[٢] حاشية الأصل (من نسخة) «نقيضا» .
[٣] ديوانه: ٥، و أمالى العالى ٢: ٢٧٣، و حماسة ابن الشجرى: ١٨٩، و اللآلئ: ٥٢٤. و فى حاشية الأصل: «يخاطب خيال امرأة رآها فى المنام؛ يتعجب من سير خيالها إليه و كانت غير معتادة للسير، و السروب: السارى، و قيل: السرب سير النهار» . و فى حاشية ت:
«أنى سريت... » .
[٤] المصرّد: المقطع؛ و فى حاشية ت: «و بعده:
كان المنى بلقائها فلقيتها # فلهوت من لهو امرئ مكذوب
.
[٥] من نسخة بحواشى الأصل، ت، ف: «مما لا يضبطه الحساب» .
[٦] ت: «إذ يأتى عليه العدد» .