الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٩١ - تأويل آية
و يمكن فى الآية وجه آخر، و هو أن يكون المراد بالحساب محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة و موافقتهم عليها، و تكون الفائدة فى الإخبار بسرعته الإخبار عن قرب الساعة؛ كما قال تعالى: سَرِيعُ اَلْعِقََابِ .
و ليس لأحد أن يقول: فهذا هو الجواب الأول الّذي حكيتموه؛ و ذلك أن بينهما فرقا؛ لأن الأول مبنىّ على أن الحساب فى الآية هو الجزاء و المكافأة على الأعمال، و فى هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه و عن معنى المحاسبة، و المقابلة بالأعمال و ترجيحها، و ذلك غير الجزاء الّذي يفضى الحساب إليه.
و قد طعن بعضهم فى الجواب الثانى معترضا على أبى عليّ الجبّائىّ فى اعتماده إياه [١] بأن قال [١] : مخرج الكلام فى الآية على وجه الوعيد، و ليس فى خفّة الحساب و سرعة زمانه ما يقتضي زجرا، و لا هو مما يتوعد بمثله؛ فيجب أن يكون المراد الإخبار عن قرب أمر الآخرة و المجازاة على الأعمال.
و هذا الجواب ليس أبو عليّ هو المبتدئ به، بل قد حكى عن الحسن البصرىّ، و اعتمده أيضا قطرب بن المستنير النحوىّ: و ذكره المفضّل بن سلمة، و ليس الطّعن الّذي حكيناه عن هذا الطاعن بمبطل له، لأنه اعتمد على أنّ مخرج الآية مخرج الوعيد، و ليس كذلك، لأنه تعالى قال: فَمِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا وَ مََا لَهُ فِي اَلْآخِرَةِ مِنْ خَلاََقٍ.
`وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنََا آتِنََا فِي اَلدُّنْيََا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنََا عَذََابَ اَلنََّارِ.
`أُولََئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمََّا كَسَبُوا وَ اَللََّهُ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ ؛ [البقرة: ٢٠٠-٢٠٢]، فالأشبه بالظاهر أن يكون الكلام وعدا بالثواب، و راجعا إلى الذين يقولون: رَبَّنََا آتِنََا/فِي اَلدُّنْيََا حَسَنَةً وَ فِي اَلْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنََا عَذََابَ اَلنََّارِ ، أو يكون راجعا إلى الجميع، فيكون المعنى:
إن للجميع نصيبا مما كسبوا؛ فلا يكون وعيدا خالصا؛ بل إما أن يكون وعدا خالصا أو وعدا و وعيدا، على أنه لو كان وعيدا خالصا على ما ذكر الطاعن لكان لقوله تعالى: وَ اَللََّهُ
[١] ت: «فقال» .