الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٠ - مسألة
و المستقرّ من مذاهب الشّيوخ-و هو الصحيح-أن الانتصاف لا يجوز أن يكون موقوفا على ما يتفضّل به؛ لأنّ الانتصاف واجب على اللّه تعالى من حيث خلّى بين عباده و بين الظلم، فلا يجوز أن يتعلّق إلا بأمر واجب، و التفضّل لفاعله ألاّ يفعله، فتئول الحال إلى تعذّر الانتصاف. و قالوا: من يعلم اللّه تعالى أنه يرد القيامة-و لا أعواض له-يمنعه من الظلم، و لا يمكّنه منه لهذه العلة. و يجيزون [١] أن يمكّن من الظلم من يكون فى الحال غير مستحقّ للعوض، أو غير مستحق للقدر الّذي يوازى الظلم من العوض، بعد أن يكون المعلوم من حاله أنه يرد القيامة و قد استحقّ من الأعواض ما يوازى ما عليه منها.
قال المرتضى: و هذا القول-نعنى تجويز تمكين الظالم من الظلم، و هو فى الحال غير مستحق للعوض-يبطل بالعلّة التى أبطلنا بها قول من أجاز الانتصاف بالتفضّل؛ لأنّا نعلم أن تبقية المكلّف و غير المكلّف لا تجب، و للقديم تعالى ألاّ يفعلها، فلو لم يفعلها و اخترم هذا الظالم بعد حال ظلمه لكان الانتصاف منه غير ممكن. و قد تعلّق الانتصاف على هذا القول بما ليس بواجب؛ كما علّقه من قدمنا حكاية قوله بما ليس بواجب. و ليس لهم أن يقولوا ذلك يحسن؛ لأن اللّه تعالى يعلم أنّه يبقيه فيستحقّ [٢] أعواضا؛ لأن عليهم مثل ذلك إذا قيل لهم: فأجيزوا أيضا أن يرد القيامة و هو لا يستحقّ العوض؛ و يعلم اللّه تعالى أنه يتفضّل عليه بما يقع به الانتصاف.
فإذا قالوا: علم اللّه تعالى بأنه يتفضّل، لا يخرج التفضّل من أن يكون غير واجب؛ و قيل لهم: و علم اللّه تعالى بأنه يبقى من لا عوض له ليستحقّ العوض، لا يخرج التبقية من أن تكون غير واجبة، فاستوى الأمران.
و الصحيح أن يقال: إنّه تعالى لا يمكّن من الظلم من لا عوض له فى الحال؛ ليستقيم الكلام و يطّرد.
[١] حاشية الأصل: «أبو هاشم و أصحابه» .
و هو أبو هاشم عبد السلام بن أبى على الجبائى، كان هو و أبوه من كبار أئمة المعتزلة؛ و لهما مقالات على مذهب الاعتزال؛ و كتب الكلام مشحونة بمذاهبهما و اعتقادهما، توفى سنة ٣٢١، (ابن خلكان ١: ٢٩٢-٢٩٣) .
[٢] ت، و حاشية ف (من نسخة) : «ليستحق» .
غ