الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧١ - تأويل آية
العقل و شهادة اللفظ، فأما دليل العقل فمن حيث علمنا أنّه تعالى كره الاختلاف، و الذّهاب عن الدين، و نهى عنه، و توعّد عليه، فكيف يجوز أن يكون شائيا له، و مجريا [١] بخلق العباد إليه.
و أما شهادة اللفظ فلأنّ الرحمة أقرب الى هذه الكناية من الاختلاف، و حمل اللفظ على أقرب المذكورين إليها أولى فى لسان العرب.
فأما ما طعن به السائل، و تعلّق به من تذكير الكناية، و أنّ الكناية عن الرحمة لا تكون إلا مؤنثة فباطل، لأن تأنيث الرحمة غير حقيقى، و إذا كنى عنها بلفظ التذكير كانت الكناية على المعنى، لأن معناها هو الفضل و الإنعام؛ كما قالوا: سرّنى كلمتك، يريدون سرّنى كلامك، و قال اللّه تعالى: هََذََا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ؛ [الكهف: ٩٨]؛ و لم يقل «هذه» ، و إنما أراد هذا فضل من ربى؛ و قالت الخنساء:
فذلك يا هند الرّزيّة فاعلمى # و نيران حرب حين شبّ وقودها [٢]
أرادت الرّزء؛ و قال امرؤ القيس:
برهرهة رؤدة رخصة # كخرعوبة البانة المنفطر [٣]
فقال: «المنفطر» و لم يقل المنفطرة، لأنه ذهب إلى الغصن؛ و قال الآخر:
هنيئا لسعد ما اقتضى بعد وقعتى [٤] # بناقة سعد و العشيّة بارد
فذكّر الوصف: لأنه ذهب إلى العشىّ؛ و قال الآخر:
قامت تبكّيه على قبره # من لى من بعدك يا عامر [٥]
[١] فى حاشيتى الأصل، ف: «الإجراء يستعمل فى المنكر المذموم؛ يقال: أجرى عليه فعله، و لا يقال إلا فى الشر» .
[٢] ديوانها: ٥٩.
[٣] ديوانه: ٨. البرهرهة: الرقيقة الجلد، و الرؤدة: الرخصة الناعمة، و الخرعوبة: القضيب الغض، و المنفطر: المنشق.
[٤] حاشية ت (من نسخة) : «وقفتى» .
[٥] البيتان فى العقد ٣: ٢٥٩، و ٥: ٣٩٠؛ و نسبهما لأعرابية على قبر ابن لها يقال له عامر.