الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧ - تأويل خبر
يفقد ما كان عليه من الكمال، و تفوته المنافع و المرافق التى كان يجعل يده ذريعة إلى تناولها؛ و هذه حال ناسى القرآن و مضيّعه [١] بعد حفظه، لأنه يفقد ما كان لا بسا له من الجمال، و مستحقا له من الثواب، و هذه عادة للعرب فى كلامهم معروفة؛ يقولون فيمن فقد ناصره و معينه [٢] :
فلان بعد فلان أجدع، و قد بقى بعده أجذم؛ قال الفرزدق يرثى مالك بن مسمع [٣] :
تضعضع طودا وائل بعد مالك # و أصبح منها معطس العزّ أجدعا [٤]
و إنما أراد المعنى الّذي ذكرناه. و للعرب ملاحن فى كلامها [٥] ، و إشارات إلى الأغراض، و تلويحات بالمعانى، متى لم يفهمها و يسرع إلى الفطنة بها من تعاطى تفسير كلامهم، و تأويل خطابهم كان ظالما نفسه، متعديا طوره.
و نعود إلى الكلام على ما ذكره الرجلان؛ أما أبو عبيد فإن خطأه من حيث لم يفطن للغرض فى الخبر، و ضلّ عن وجهه، و إلا فالأجذم هو الأقطع لا محالة كما قال؛ إلاّ أنه لا يليق بهذا الموضع، و إذا حمل عليه لم يفد شيئا؛ و إن كانت [٦] شبهته التى أوقعته فى هذا التأويل ظنّه أن ذلك يكون على سبيل العقوبة له على نسيان القرآن فليس كما ظن، لأنّ الجذم [٧] أولا ليس بعقوبة؛ لأن اللّه تعالى قد يجذم [٨] أولياءه و الصالحين من عباده، و يقطّع أعضاءهم بالأمراض، و قد يبتدئ خلق من هو ناقص الأعضاء؛ فليس بلازم فى الجذم أن يكون عقوبة. ثم لو كان يستحقّ ناسى القرآن عقوبة على نسيانه لكان حفظ القرآن بأسره فرضا واجبا و حتما لازما [٩] ؛ لأن العقوبة لا تستحق بترك ما ليس بواجب، و ليس
[١] كذا ضبطت بالقلم فى الأصل، ت، و فى ش: «و مضيعه» ، بكسر الضاد و بعدها ياء ساكنة.
[٢] فى نسخة بحاشيتى الأصل، ت: «و مغيثه» .
[٣] هو ملك بن مسمع الجحدرى؛ من بكر بن وائل، كان سيد ربيعة فى زمانه، و توفى سنة ٧٣.
(المعارف: ١٨٤، و جمهرة الأنساب: ٣٠١، و الإصابة ٦: ١٦٤) .
[٤] ديوانه: ٤١٤.
[٥] حاشية ف (من نسخة) : «كلامهم» .
[٦] ت: «و إن كان» .
[٧] حاشية ت (من نسخة) : «الجذام» .
[٨] نسخة أبى السعادات الشجرى: «يجذّم» يضم الياء و فتح الجيم و تشديد الذال المكسورة؛ و ضبطت فى ت بالوجهين معا، و فى حواشى الأصل، ت، ف: «الجذم القطع، و قد جذم (بكسر الذال) يجذم جذما فهو أجذم، أى مقطوع اليد» .
[٩] حاشية الأصل: «الملازمة ممنوعة» .