الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٤ - تأويل خبر
و قد ذكر أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ وجها ثالثا فى الخبر، قال: أراد عليه السلام:
[١] من لم يتلذّذ بالقرآن، و يستحله، و يستعذب [١] تلاوته كاستحلاء أصحاب الطّرب للغناء و التذاذهم به. و سمّى ذلك تغنّيا من حيث يفعل عنده ما يفعل عند التغنّى بالغناء، و ذكر أنّ ذلك نظير قولهم: العمائم تيجان العرب، و الحباء [٢] حيطان العرب، و الشمس حمّامات العرب [٣] ؛ و أنشد بيت النابغة:
بكاء حمامة تدعو هديلا # مفجّعة على فنن تغنّى [٤]
فشبّه صوتها لمّا أطرب إطراب الغناء بالغناء، و جعلوا العمائم لمّا قامت مقام التّيجان تيجانا؛ و كذلك القول فى الحباء و الشمس.
و جواب أبى عبيد أحسن الأجوبة و أسلمها، و جواب أبى بكر أبعدها؛ لأن التلذّذ لا يكون إلا فى المشتهيات، و كذلك الاستحلاء و الاستعذاب. و تلاوة القرآن و تفهّم معانيه من الأفعال الشاقة، فكيف يكون ملذّا مشتهى [٥] ؟!فإن عاد إلى أن يقول: قد تستحلى التّلاوة من الصوت الحزين [٦] ، قلنا: هذا رجوع إلى الجواب الثانى الّذي رغبت عنه، و انفردت عند نفسك بما يخالفه.
و يمكن أن يكون فى الخبر وجه رابع خطر لنا، و هو أن يكون قوله عليه السلام:
/ «من لم يتغنّ» من غنى الرجل بالمكان إذا طال مقامه به، و منه قيل: المغنى و المغانى، قال اللّه تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [الأعراف: ٩٢]، أى لم يقيموا بها، و قال
(١-١) ف: «من لم يتلذذ بالقرآن و لم يستحله و لم يستعذب» .
[٢] فى حاشيتى الأصل، ف: «جمع حبوة (بكسر الحاء و ضمها معا) ، و الأصل فيه الاحتباء بالسيف، و الاحتباء: شد اليدين أمام الركبتين، و الاسم الحبوة» .
[٣] فى حاشيتى الأصل، ف: «أى يتنزل منزلة هذه الأشياء» .
[٤] فى حاشيتى الأصل، ف: «الهديل: صوت الحمام و فرخها، و يحتمل المعنيين؛ أى تدعو دعاء، صوتها» ؛ و البيت فى ديوانه ٧٩.
[٥] فى حاشيتى الأصل (من نسخة) ، ف (عن ش) : «شيء ملذ؛ أى يحمل على الالتذاذ به، و يقال: لذذت بالشيء، و لذذته، أو وجدته لذيذا، أو عددته كذلك» .
[٦] تحت هذه الكلمة فى الأصل: «من نسخة الشجرى» ، و فى نسخة بحاشيتى الأصل، ت «الحسن» .