الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥ - تأويل خبر
الأسود بن يعفر [١] الإيادىّ:
و لقد غنوا فيها بأنعم غنية # فى ظلّ ملك ثابت الأوتاد [٢]
و قول [٣] الأعشى الّذي أنشده أبو عبيد و هو:
و كنت امرأ زمنا بالعراق # عفيف المناخ طويل التّغنّ
بطول المقام أشبه منه بالاستغناء، لأن المقام يوصف بالطول و لا يوصف الاستغناء بذلك، فكأنّ الأعشى أراد: إنّنى كنت ملازما لوطنى، مقيما بين أهلى، لا أسافر للانتجاع و الطّلب؛ و يجرى قوله هذا مجرى قول حسّان بن ثابت الأنصارىّ:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم # قبر ابن مارية الكريم المفضل [٤]
أراد بقوله: «حول قبر أبيهم» أنهم ملوك لا ينتجعون [٥] ، و لا يفارقون محالّهم و أوطانهم؛ فيكون معنى الخبر على هذا الوجه: من لم يقم على القرآن؛ فلا يتجاوزه [٦] إلى غيره، و لا يتعدّاه إلى سواه، و يتخذه مغنى و منزلا و مقاما فليس منا.
فإن قيل: أ ليس قد يتعدّى القرآن إلى السّنّة و الإجماع و سائر أدلّة الشرع؟فكيف يحظر علينا تعدّيه؟قلنا: ليس فى ذلك تعدّ للقرآن، لأنّ القرآن دالّ على وجوب اتّباع السنّة و غيرها من أدلّة الشرع، فمن اعتمد بعضها فى شيء من الأحكام لا يكون متجاوزا للقرآن، و لا متعديا؛ فأمّا قوله عليه السلام: «ليس منّا» فقد قيل فيه: إنه لا يكون على أخلاقنا، و استشهد ببيت النابغة:
[١] فى حاشيتى الأصل: «و يعفر (بضم الياء و الفاء) ، و يعفر أيضا (بضم الياء و كسر الفاء) .
و يعفر (بضم الياء و الفاء) ينصرف لزوال شبه الفعل عنه» .
[٢] البيت من قصيدة فى المفضليات ٢١٧، و فى د، ف، و حاشية الأصل (من نسخة) ، و المفضليات «عيشة» .
[٣] ت: «و بيت» .
[٤] ديوانه: ٨٠، و أولاد جفنة: ملوك غسان.
[٥] فى حاشيتى الأصل، ف: أى لا يحتاجون إلى الانتجاع؛ فهم مقيمون فى مكانهم» .
[٦] حاشية ف: «و يتجاوزه و يتخذه» ، و فى حاشية الأصل: «قال السيد: فى هذا الكلام اضطراب، و الصحيح: «فيتجاوزه و يتعداه» ؛ إلا أن تكون «لا» زائدة؛ و المعنى: من لم يقم على القرآن بحيث لا يتجاوزه إلى غيره، و يتعداه إلى سواه؛ و لم يتخذه مغنى، و يكون قوله «يتخذ» معطوفا على «يقم» .