الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩ - تأويل آية أخرى
و ليس أيضا لتخلّل الموت بين الحالين تأثير؛ لأنه لو كان تخلّل الموت يزيل الذكر لكان تخلّل النوم و السّكر و الجنون و الإغماء بين أحوال العقلاء يزيل ذكرهم لما مضى من أحوالهم؛ لأنّ سائر ما عددناه مما ينفى العلوم يجرى مجرى الموت فى هذا الباب. و ليس لهم أن يقولوا:
إذا جاز فى العاقل الكامل أن ينسى ما كان عليه فى حال الطفوليّة جاز ما ذكرناه؛ و ذلك أنّا إنما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادّعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى لهم [١] و هم كاملو العقول، و لو كانوا بصفة الأطفال فى تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه.
على أن تجويز النّسيان عليهم ينقض الغرض فى الآية، و ذلك أنّ اللّه تعالى أخبر بأنه إنما قرّرهم و أشهدهم لئلا يدّعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك، و سقوط الحجّة عنهم [٢] فيه؛ فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجة و زوالها، و إن كانوا على الصّفة الثانية من فقد العقل و شرائط التكليف قبح خطابهم و تقريرهم و إشهادهم، و صار ذلك عبثا قبيحا؛ يتعالى اللّه عنه.
فإن قيل: قد أبطلتم تأويل [٣] مخالفيكم، فما تأويلها الصحيح عندكم؟قلنا فى هذه الآية وجهان:
أحدهما أن يكون تعالى إنما عنى جماعة من ذرّية بنى آدم خلقهم و بلّغهم و أكمل عقولهم، و قرّرهم على ألسن [٤] رسله عليهم السلام بمعرفته و ما يجب [٥] من طاعته، فأقرّوا بذلك، و أشهدهم على أنفسهم به؛ لئلا يقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين، أو يعتذروا بشرك آبائهم. و إنما أتى من اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظنّ أنّ اسم الذرية لا يقع إلاّ على من لم يكن كاملا عاقلا؛ و ليس الأمر كما ظنّ؛ لأنّا نسمّى جميع البشر بأنهم ذرية آدم؛ و إن دخل فيهم العقلاء الكاملون، و قد قال اللّه تعالى: رَبَّنََا وَ أَدْخِلْهُمْ
[١] حاشية الأصل (من نسخة) ، ت، ف: «عليهم» .
[٢] ت، حاشية الأصل (من نسخة) «عليهم» .
[٣] م: «قول» .
[٤] ت، د، حاشية ف (من نسخة) : «لسان» .
[٥] د، ت: «و ما يجب عليهم» .