من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٦ - مظاهر الشرك
[٣١] تلك كانت في حقل الثقافة، أما في حقل التشريع والسياسة فإن اليهود والنصارى استسلموا للأحبار والرهبان وقبلوا تشريعاتهم دون أن يخضعوا لله ويعملوا بشرائعه.
اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ الحبر: هو العالم الذي يقوم ببيان العلم وهو عالم النصارى واليهود وَرُهْبَانَهُمْ الراهب: هو الذي يخشى الله، ويلبس مسوح العبادة، وهو عند اليهود والنصارى المتفرغ للعبادة الزاهد في الدنيا.
أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فتركوا تعاليم الدين ونصوصه الواضحة، إلى اجتهادات الأحبار والرهبان التي تاثرت باهوائهم وظروفهم، كما تركوا عقلهم وفطرتهم ونصوص دينهم إلى الإستشهاد بسيرة المسيح بن مريم عليهما السلام التي كانت مناسبة للظروف الموضوعية السائدة في عصره.
وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لقد أمرهم الله في كتابه بتوحيده في العبادة والتشريع، وان يعتبروه وحده مصدر النور والتشريع، وان يتصلوا به مباشرة، وإن أخذ التعاليم من الأحبار والرهبان حتى ولو كانت متناقضة مع إلهام الفطرة والعقل والنصوص الصريحة من الدين يعتبر شركاً مهلكاً يبعد الناس عن حقيقة الدين وجوهره شيئاً فشيئا، ويجعل الدين دين البشر أي الأحبار والرهبان الخاضعين للجهل والجهالة، وضغوط الظروف. بينما الإتصال المباشر بمصادر الوحي يمنع هذه المشكلة إذ يصبح المؤمنون جميعاً شاهدين على الرسالة أوصياء عليها، وأعين لنصوصها ومنتفعين من عقولهم وفطرتهم في فهم تلك النصوص.
سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ الله منزه عما يشرك الناس به، فوحيه ورسالته وشرائعه لا تخضع للظروف او للأهواء بل هي كاشفة لحقائق الحياة، متناسبة مع السنن التي لا تتغير، ولذلك يجب على الناس الإستلهام مباشرة منها دون الإستسلام للاوصياء عليها من الأحبار والرهبان باسم الدين وترك حبل الرسالة على غارب رجال معينين.
وقد جاء في الأحاديث الماثورة عن عدي بن حاتم، أنه قال: (أَتَيْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ صلى الله عليه واله
يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ
. قَالَ: فَطَرَحْتُهُ وَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ صلى الله عليه واله وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ- اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ-: حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ. فَقَالَ صلى الله عليه واله
أَ لَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ الله فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ الله فَتَسْتَحِلُّونَهُ
. قَالَ فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ صلى الله عليه واله: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ)[١].
[١] بحارالأنوار، ٩، ص ٩٨.