من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٩ - بينات من الآيات القيم فوق كل شيء
وبركاته تترى عليهم، وإذا غيروا قيمهم وسلوكهم غير الله عادة الإحسان إلى النكبة والدمار.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حتى يغيروا تلك العوامل التي أنعم الله الحكيم بسببها تلك النعمة عليهم، لقد أنعم الله على مجتمع ما بنعمة الحرية بسبب توحيدهم ورفضهم للاستسلام أمام ضغوط الجبت والطاغوت، وأنعم عليهم الصحة بسبب استقامتهم على الفطرة الاولية التي خلقهم بها، وأنعم عليهم بنعمة الراحة النفسية بسبب مكارم الاخلاق وسلامة السلوك والتربية.
حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ أي يبدلوا صفات الخير المتعلقة بأنفسهم إلى صفات السوء وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يسمع ما في ظاهر المجتمعات، ويعلم ما في صدورهم.
[٥٤] مثلًا: سنة الله في آل فرعون كيف أن ربنا أنعم عليهم بالأمن والرفاه وجنات تجري من تحتها الأنهار، حتى طغوا وبدلوا صفة وعلاقة التعاون بينهم إلى علاقة الإستغلال، وصفة النشاط في عمل الصالح إلى صفة التواني أو المبادرة في عمل الفساد وهكذا فبدل الله نعمه وأرسل عليهم الطوفان فدمر مدنيتهم، وأرسل عليهم القمل والدم والضفادع، بدل الثمرات والأرزاق وأرسل عليهم رياح الثورة فاقتلعت جذورهم ورماهم ربهم في البحر.
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ أي بحجج الله وبيناته ورسالاته البليغة التي وضحت لهم برنامج الحياة السعيدة فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ومن دون الظلم الذاتي وقيامهم بما يستوجب العقاب إذا لم يكن ربنا الودود يأخذهم بهذه العقوبة الشديدة، يبدو من كلمة وَكُلٌ أن جميع المغرقين كانوا ظالمين لانفسهم.
[٥٥] ويستخلص السياق القرآني الفكرة الاصيلة لهذا الدرس وهي: ان مقياس الصلاح والفساد عند الله في البشر هو الإيمان والكفر، وليس أي شيء آخر، وأنه أسوأ الناس بل شر الأحياء الكفار إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فالكافر الذي تاب إلى ربه وآمن ليس شر ما يدب ويتحرك على الأرض، بل الذي بقي مستمراً على كفره وضلاله برغم وجود نور في قلبه يهديه إلى الحق.
[٥٦] ولكن يبقى سؤال: لماذا يهبط الكافر إلى هذا الحضيض الأسفل عند الله تعالى؟.
الجواب
أولًا: لأن الكافر لا عهد له، فهو لا يحترم نفسه ولا الآخرين، ويلغي بذلك دوره في