من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠ - من حقائق الجزاء
مباشرة، بل على العكس حيث يتأخر الجزاء عن العمل، وهذا إبليس قد طلب المهلة من ربنا فأعطاه إياها. قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
[١٥] قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ وأهمية فهم هذه الحقيقة تأتي من أن البشر بسبب محدودية الرؤية، وضيق الأفق يزعم أنه لا يجازى على أعماله بمجرد تأخر الجزاء، بل حتى حين يأتيه الجزاء ينسى أنه جاءه نتيجة عمله، ولذلك لا يرتدع بالعقاب ولا يندفع إلى الثواب، وإنما يستفيد من الجزاء الذين يعدمون المسافة الزمنية بين العمل والجزاء، ويتصورون أنفسهم منذ لحظة القيام بالعمل وكأنهم في لحظة الجزاء، فالزارع الذي يتصور وقت الحصاد، والطالب الذي يتخيل قاعة الامتحانات، والجندي الذي تتراقص في مخيلته لحظات الانتصار، والمؤمن الذي يظن أنه ملاق ربه يكون عملهم أتقن وأبقى، بينما المجرم الذي ينسى قاعة المحكمة، والفاجر الذي يكفر بالآخرة، والفاسق الذي يتناسى الموت يكون أجرأ على الله، وأوغل في الخطيئة.
[١٦] والهالك يسحب من حوله إلى الهلاك، كما الناجي يريد لمن حوله النجاة مثله، وإبليس حين أمره الله بالسجود تكبر فأخرجه، وهكذا أضمر حقدا مركزا ضد أبناء آدم الذي بسببه طرد من السماء.
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ إنه يقعد لنا، أي: يرصدنا ويمكر بنا، ومكره يتجسد في محاولة سلب نعمة الاستقامة منا.
[١٧] ويسعى إبليس بكل وسيلة ممكنة لكي يضللنا ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ قد تكون هذه الجهات رمزا لإحاطة الشيطان بأبناء آدم من كل مكان، حتى يتحسس البشر بمدى الخطر الذي يهدده، فلا يكون في الحياة مهملا، فارغ البال، ضعيف العزيمة، بل يكون جديا ذا فعالية كبيرة.
وقد تكون رمزا لأساليب الشيطان، حيث يخدع البشر بالمستقبل القادم من بين يديه حينا، حيث يمنيه غرورا، ويزين له أشياء يعده بها، وقد يضله بتصوير الماضي بطريقة تدفعه إلى الأعمال السيئة، أو بسيرة الآباء، أو بفلسفة التاريخ أو .. بمن حوله من الناس، بأولاده وزملائه، أو بأعدائه والمنافسين له.
المهم: أن يعرف البشر أنه لو لم يتصل بالله سبحانه، ويستعد استعدادا كاملا، لأحاط به مكر الشيطان وأرداه وأهلكه، فلا يصبح شاكرا لأنعم الله عزوجل وجميل فضله وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ وهذا في الواقع أسلوب خبيث يستخدمه إبليس، حيث يربط النعم بنفسه،