من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٩ - التطرف في الكفر
يتخذ ربنا سبيلا آخر لهدايتهم هو: ابتلاؤهم في أموالهم أو في نفوسهم ببعض البلاء العام، فإذا لم ينتفعوا بها أيضا أخذهم الله بالعذاب الشديد، لذلك أخبر الله عن آل فرعون وقال وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أي بالقحط والجدب، وكانوا قبل ذلك مغرورين بالأنهار التي تجري من تحتهم، وبالنيل الذي فجر الله به خيرات الأرض لهم وَنَقْصٍ مِنْ الثَّمَرَاتِ كان المطر يملأ مراعيهم خضرة، ويملأ نيلهم ماء فيسقي البساتين فتزداد الثمرات، ولكن حين قل المطر أصبحت الصحاري جفافا والبساتين يابسة.
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فيعرفون أن هذه المدنية ليست من ذاتهم بل من الله سبحانه.
[١٣١] البشر قد يغفل وقد ينام وقد يغمى عليه، ولكنه بالمعالجة يتذكر ويستيقظ ويحس، أما الذي فسدت رؤيته وانحرفت ثقافته فإنه لا تنفع معه المعالجة، فمثلًا: البشر العادي حين تراه قد استغنى ولا يحتاج إلى أحد يستبد به الغرور والاستكبار، ولكن إذا فقد سبب غروره وافتقر عادت نفسه إلى حالته الأولية وتقبل الهداية.
أما البشر المعقد الذي تحضر واستبدت به ثقافة خاطئة، وفقد فطرته الأولية، فان تلك الثقافة تبقى معه حتى بعد رحيل النعم عنه، وعودته إلى الحالة الطبيعية، فلا يزال مغرورا بذاته وبمنجزات آبائه وبمكاسبهم، لذلك لا يصدق نفسه حتى أن نزل عليه البلاء، بل ويزعم أن هذا البلاء إنما سببه بعض الطوارئ الخارجة عن إرادته، وإنه استثناء إذ يزعم أن الحضارة جزء من ذاته، ومعلولة عن عنصره وعن بلده وعن أفكاره، لذلك ترى قوم فرعون ينسبون الحسنة إلى أنفسهم والسيئة إلى موسى عليه السلام فَإِذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ يقولون إن السيئة إنما هي بسبب موسى، كما تنسب الأنظمة الفاسدة اليوم المشاكل كلها إلى الرساليين والمجاهدين، حيث تزعم أنهم- دون فساد أنظمتهم- سبب التخلف الاقتصادي والتبعية والإرهاب وما أشبه.
أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ المشاكل ليست بسبب هذه الحركة أو تلك الفكرة، وإنما بسب النظام ذاته وبسبب فساد الأعمال، والله هو الذي يقدر الخير والشر، والحسنة والسيئة حسب قوانين دقيقة وثابتة عند الله سبحانه، يجريها ربنا بحكمته البالغة وبعلمه النافذ، ومعرفة هذه الحقيقة تعطي البشر قدرة على التحكم في الحياة.
التطرف في الكفر
[١٣٢] وبلغ الكفر والجحود بآل فرعون حداً بنوا بينهم وبين الحقيقة سداً منيعاً من الجحود، وتشبثوا بسلسلة من الأفكار المخدرة التي تفسر كل آيات الحقيقة ومعالمها ببعض