من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٦ - بين التكذيب والتصديق
بين التكذيب والتصديق
[١٠٥] كان الرسل عليهم السلام يؤكدون في دعوتهم على هذه الحقيقة وهي: أن الكذب على الله جريمة كبيرة وذنب عظيم، وهذا التأكيد يكشف للناس أنهم عليهم السلام لابد أن يكونوا واحدا من نوعين من الرجال
- فأما أن يكونوا مجرمين من الدرجة الأولى- حاشاهم- وسيرتهم حافلة بالأمانة والصدق والفداء وهذه الصفات تكشف للناس غير ذلك.
- وإما أن يكونوا صادقين، ولولا هذا التأكيد المكرر على أن الافتراء على الله ضلالة كبرى وجريمة نكراء، لكنا نحتمل أن يكون النبي كاذبا لمصلحة الناس مثلا دون أن يعرف أهمية الكذب أو مدى قبحه، وموسى عليه السلام بدأ حديثه مع فرعون بهذه الكلمة حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ أي يجب ألا أقول على الله إلا الحقيقة، وهذا الوجوب أعرفه جيدا وأعترف به، فإني بعيد عن الكذب على الله بسبب اعتبار ذلك جريمة، وأكثر من هذا أني أملك بينة واضحة على ذلك قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لقد كانت رسالة الله على موسى ذات صفة اجتماعية واضحة، حيث طالب موسى فرعون بكف الظلم عن بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون، ومن المعلوم أن موسى عليه السلام كان يهدف أيضا نجاة فرعون وقومه من ضلالتهم، لكن بدأ رسالته من حيث كان الانحراف الكبير أو الفساد العظيم، وهكذا ينبغي ألا تكون دعوة المصلحين في الفراغ، بل متجهة إلى أكبر انحرافات المجتمع لكشفها وإصلاحها.
[١٠٦] أما فرعون رأس هرم المجتمع الفاسد، وقائد الملأ الكاذب فإنه تحدى موسى وطالبه بالآية التي جاء بها قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ.
[١٠٧] واستجاب موسى عليه السلام للتحدي فوراً فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِين.
[١٠٨] وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ كانت يده عليه السلام التي تشع بالبياض آية واضحة على صدق رسالته.