من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٦ - الخسارة العظمى
متعمداً للحق، وجحوداً سافراً بآيات الله، والعذاب سوف يكون عليهم مضاعفاً.
ومن جهة أخرى العودة إلى الملة الباطلة التي أنقذهم الله منها لا تكون ممكنة بالقهر والإكراه، لأن الله قد ضمن للبشر حريته وكرامته، ولن تكون القوى الشيطانية قادرة على إلحاق أي نوع من الأذى، أو إيجاد أي قدر من التأثير على أحد من دون مشيئة الله وإذنه سبحانه ذلك لأن قوى الطاغوت لا تعصي الله عن غلبة- سبحانه- أو بتجاوز ملكوته .. كلا، وإنما لأن الله أمهلهم وأعطاهم فرصة الاختيار الحر لفترة محدودة لهذا فإن الطاغوت لا يقدر على جبر المؤمنين على الكفر لأن الله لا يسمح له بذلك.
وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً وكما أن قدرة الله مهيمنة على الكون فلا يقدر الكفار على تجاوزها، كذلك علمه النافذ في كل شيء، ولكي يقاوم المؤمنون قوى الطاغوت المادية يلتجئون أكثر فأكثر إلى قوة الله المعنوية ويقولون
عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِ المؤمنون لا يسعون نحو تحقيق الانتصار على عدوهم بالباطل، أي دون أن يكون لديهم مؤهلات النصر، أو دون أن يكونوا أفضل من عدوهم، بل إنما يريدون الفتح بالحق وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ.
الخسارة العظمى
واقتربت النهاية لقوم شعيب عليه السلام، حيث انهم اعتمدوا على القوة المادية زاعمين أنها كل شيء، وأن من يخسرها فانه يخسر كل شيء، لذلك قالوا للمؤمنين: إنكم لخاسرون، يزعمون أن الثروة والسلطة والجاه التي يملكونها والتي يحرمون المؤمنين منها تعتبر خسارة، بينما المؤمنون يعرفون أن القيم الباطلة التي يقوم عليها بناء مجتمع الطغيان والفساد تنسف كل تلك الماديات الظاهرة.
ومن هنا أخذت قوم شعيب عليه السلام الرجفة فإذا بهم جاثمون، وإذا بالخسارة الحقيقية تكون من نصيبهم هم، أما شعيب عليه السلام فلم يأسف لهم لأنه قد أبلغ رسالات ربه، وقدم النصيحة لقومه، ولكنهم كفروا بها فكيف ييأس عليهم.
[٩٠] إن النظرة المادية الضيقة التي يرى بها الكفار الأمور تجعلهم محدودين جدا، لا يفهمون حقائق الحياة، وهؤلاء يرمون الناس بالسفه وبالجنون، ويزعمون أن الذي لا يعمل للربح المادي العاجل خاسر لحياته، لذلك تجد الملأ من أهل مدين يعتبرون إتباع شعيب خسارة كبيرة لهم وَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنْ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ ومنتهى ما