من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٣ - الثقافة التبريرية نسيج التخلف
حين لا يعمل بها، ويرجى لمثل هذا الشخص الفلاح بالتوبة، ولكن إذا بقي على ضلالته العملية قد ينحدر شيئاً فشيئاً إلى الكفر بتلك القيم رأساً، أو لا أقل من تفسيرها تفسيراً خاطئاً يتوافق مع سلوكه الباطل، وهذا الشخص يصعب إصلاحه.
لأنه ليس فقط يعمل الأخطاء بعمد وإصرار، بل ويدعو الناس إليها، وقد يجر الآخرين إلى إتباع منهجه، وقوم شعيب بلغوا هذا الدرك الأسفل فنهاهم رسولهم عليه السلام عن ذلك وقال وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ أي تهددون السالكين فيه من الذين يبتغون الوصول إلى الله والحق والعمل الصالح وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ أي لا تسمحون للمؤمنين بالله أن يسلكوا السبيل الموصل إليه سبحانه وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً أي تحرفون نصوص الدين، وتزعمون أن السبل الملتوية هي الطرق البالغة.
الثقافة التبريرية نسيج التخلف
إن الأمم المتخلفة تصنع لنفسها نسيجا من الأفكار الباطلة، والثقافات التبريرية التي تكرس واقعها الفاسد، ولكي تتجاوز الأمة هذه الثقافة التبريرية الكسولة عليها أن تصلح نظرتها إلى الحياة، ولا تزعم أن النعم الموجودة فيها مستمرة وذاتية، بل تتذكر ماضيها الحافل بالمشاكل والعقبات، وكيف تحدتها، وبفضل أي نوع من القيم والأفكار، ثم تدرس حياة المجتمعات الأخرى التي فسدت خزائنها، كيف وبسبب أي نوع من السلوك زالت تلك المجتمعات؟ لذلك ذكر شعيب عليه السلام قومه بماضيهم وبماضي المجتمعات الزائلة وقال وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ.
[٨٧] وكانت نصيحة شعيب عليه السلام للكفار المناهضين لرسالته هي الكف عن مقاومتهم لنور الرسالة، أما وصيته لأنصاره المؤمنين فهي الصبر والاستقامة حتى يحكم الله بينهم وبين الكفار فقال وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.