من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٦ - بينات من الآيات قوم لوط من الألف إلى الياء
أكثر الناس لا يشكرون نعمة الرسالة فيهلكون.
بينات من الآيات: قوم لوط من الألف إلى الياء
[٨٠] أرسل الله لوطاً عليه السلام إلى قومه، ويبدو لي- مرة أخرى- أن قوم لوط كانوا في البداية مستقيمين يسعون من أجل بناء حضارتهم، لأن الخط العام لحركتهم كان سليما، وكان مجمل سلوكهم سليما، بيد أنهم حين بلغوا مرحلة من التحضر أصيبوا بالإسراف، وجاء في بعض الأحاديث أنهم أصيبوا كذلك ببخل وإسراف وهاتان صفتان نابعتان من جذر واحد هو: عبادة المادة، والابتعاد عن القيم المعنوية.
وإذا كان قوم عاد قد أصيبوا بصفة الغرور والبطش والظلم، ووأصيبت ثمود بالفساد والاستكبار والطبقية، فان ترف قوم لوط دفعهم إلى الشذوذ الجنسي، فكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وقد يكون سبب هذا الشذوذ هو البخل، حيث أن الشاب الذي تلتهب شهوته ولا يجد امرأة يتزوجها إلا بمهر عظيم وبشروط قاسية، شأنها في ذلك شأن المرأة في المجتمعات المرفهة التي تبحث عن الكماليات قبل ضرورات العيش، إن هذا الشاب الذي لا يملك ذلك النشاط الذي يدفعه إلى العمل والإنتاج والحصول على المال، يفضل الجنوح نحو الجريمة واختيار الشذوذ الجنسي الرخيص على العلاقة الشريفة.
بيد أن السبب الأخطر للشذوذ هو الإسراف، ذلك لأن المجتمع الذي لا يتطلع نحو بناء المستقبل الأفضل، ولا يبحث عن قيم التضحية والفداء ويملك قدراً كبيراً من فائض النعم والوقت والمال، يبالغ في الشهوات ويسرف فيها ويشذ عن سبلها السليمة، فيشتري عذاب الله. لذلك أرسل الله لوطاً عليه السلام إلى قومه في تلك المرحلة من حضارتهم، حيث قعدوا عن الطموحات الكبيرة وتركوا قيمهم الفاضلة، أرسله ليحذرهم عاقبة الشذوذ وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ.
[٨١] إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُون
[٨٢] أعوذ بالله من حالة الانزلاق في وادي الشهوات، خصوصا لو شاع ذلك في المجتمع، حيث يتواصى أبناء هذا المجتمع الفاسد بالجريمة والشذوذ كما يتواصى المتقون بالصلاح، ولقد أصبحت الجريمة والشذوذ قيمة اجتماعية عند قوم لوط ولذلك لم يستمعوا إلى نصيحته، بل اتهموه بالطهر والتقوى، وأمروا بإخراجه وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ