من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٢ - صفات المستكبرين(الملأ)
أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
[٧٤] وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لقد كانت تلك حضارتهم، حيث استقروا في الأرض من دون خوف من الطبيعة أن تقسوا عليهم، وذلك بسبب توفر وسائل الحياة في تلك الأرض، حتى كانت لديهم القدرة على نحت الجبل ليتخذوا منه بيوتا، أو حتى رفع الأبنية فوق السهل قصورا، ولكن كانت ثمود تتجه نحو الفساد شأنها شأن الحضارات التي تغتر بمدى قدرتها فتتآكل وتتداعى وتنهار، لذلك وقف رسول الله صالح عليه السلام إليهم محذراً وقال وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
والفساد ضد الإصلاح، وليس بين الفساد والإصلاح عمل آخر وصبغة أخرى، ذلك لان علاقتك بالأشياء قد تكون علاقة التربية والسعي للتغيير نحو الأفضل، وأن تضيف إليها من نفسك شيئا جديدا كأن تبني الأرض، وتنشأ الحقل، وتربي الطفل، وتصنع من الحديد آلة مفيدة، وهذا كله إصلاح، أو تكون علاقتك هي الانتفاع بالأشياء فقط، فتملك البيت دون أن تبنيه أو ترممه، وتأكل من الحقل دون أن تنشئ بديله أو تسقيه، وتترك ابنك لتربية الشوارع والأزقة، وتستهلك الآلات والمكائن دون أن تصنع بديلها أو تقوم بصيانتها، وتلك كلها علاقة الفساد، والمجتمعات قد تكون متجهة بصفة عامة نحو الإصلاح والبناء والتصنيع وتغيير الأشياء إلى الأفضل، فتكون آنئذ متجهة نحو الحضارة والمدنية، أو متجهة نحو الاستهلاك والانتفاع والتغيير نحو الأسوأ، فتهدم حضارتها وتهوي نحو التخلف، ورسالات الله تأمرنا بالإصلاح الذي يبني الحضارة وتسوق الأمة نحو التقدم.
صفات المستكبرين (الملأ)
[٧٥] إن حالة الإسراف والتبذير، وصبغة الفساد والاستهلاك من دون الإصلاح والإنتاج لا تنتشر مرة واحدة في المجتمع، بل تتجلى أولا في الملأ منهم الذين يشكلون طبقة المستكبرين، وأبرز صفاتهم هي
استهلاك المزيد من النعم، وخلق تيار معارض للإصلاح، ولأنهم يريدون أن يأكلوا أكثر مما ينتجون، فإنهم يسرقون إنتاج الآخرين بشتى الوسائل والحيل ويستضعفونهم، ويتسارع المستضعفون نحو الرسالة الجديدة التي تبشر المجتمع بالإصلاح والعدالة، فيبدأ الصراع المرير بينهم وبين أولئك المستكبرين، وينتهي الصراع بهلاك المستكبرين ونجاة المستضعفين بإذن الله. قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ.