من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٨ - نزاهة الرسول دليل صدقه
[٦٧] وحين يصر صاحب الفكرة على فكرته برغم تحذير الآخرين له، فإنه يدل على أنه عارف بفكرته واع لأبعادها، ولذلك فهو ليس سفيهاً غير عارف بطبيعة فكرته.
وهود عليه السلام نفى عن نفسه السفاهة، وأصر مرة أخرى على أنه رسول قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ الله الذي استوى على عرش السماوات والأرض يدبر أمورهما، ويكمل خلقهما، إنه هو الذي أرسل هوداً إلى عاد ليكمل عليهم نعمه، ويكمل حياتهم.
نزاهة الرسول دليل صدقه
[٦٨] لم يكن هود عليه السلام إلى نفسه داعياً بل إلى ربه، فلم تكن لديه مصلحة ذاتية في دعوته، وكانت دعوته إلى كل خير وحق، فلذلك فهي في مصلحة الناس وعليهم أن يهرعوا إليها أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ وأمانة الإنسان حقيقة ظاهرة، لا يمكن أن يفرضها ويتكلف في التظاهر بها، بل هي كما سائر الصفات النفسية الحسنة والسيئة، تظهر على أفعال الفرد وأقواله، شاء أم أبى، لذلك كان الأنبياء عليهم السلام يستدلون بهذه الصفة الموجودة في أنفسهم على صدق رسالاتهم دون أن يكذبهم أحد، لأنها كانت صفة ظاهرة.
[٦٩] ويصدق البشر بالحقائق المألوفة بسهولة، بينما الحقائق التي لا تقع إلا عبر فترات متباعدة لا يسهل التصديق بها، مثلًا: التصديق بالتغيرات الجذرية والتحولات الاجتماعية الكبيرة ليس بسهولة وكذلك التصديق بموت أحد عزيز، بالرغم من أن هذه وتلك حقائق واقعة وسنن فطرية، ومن هنا كان أحد العقبات الرئيسية في طريق إيمان الناس برسالات الله هي: أنها لم تكن وقائع مألوفة، فكان الأنبياء عليهم السلام يذكرون الناس بأنها حقائق فطرية يصدق بها وجدان البشر، وهي من السنن التي تقع بين فترة وفترة.
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ولا عجب في ذلك لأن الرب الذي يدبر أمور عباده، وينزل عليهم بركاته جدير بأن يهدي الإنسان، ويذكره بالحقائق، ثم إن من رحمة الله أنه انزل ذكره على واحد منهم لأن هدفه هو إنذارهم، والإنذار سيكون أبلغ لو كان عن طريق واحد منهم.
ولأن قوم عاد كانوا مغرورين بقوتهم وبطشهم، لذلك ذكرهم أخوهم هود بأن هذه القوة نعمة من الله عزوجل وليست من أنفسهم، بدليل أنها كانت قبلئذ عند قوم نوح عليه السلام فأخذها الله منهم وأعطاهم إياها، فالقوة هذه يجب أن تكون مدعاة لقبول الرسالة شكراً لنعمة الله سبحانه وتعالى.