من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧ - قيمة العقل
ومن الناس من يتخذ الدين لهوا يعمل به دون هدف، أو حتى لعبا يضعه حسب مشتهياته، فإنه آنئذ لا ينتفع بالدين، وهو بالتالي لا يحصد نتائجه الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً أما قيادة هؤلاء فهي بيد أهل الدنيا، لأن الدنيا قد استعبدتهم وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إن هؤلاء ينسون مستقبلهم ويختصرون حياتهم في حدود الحاضر فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا من ينسى يوم الحصاد ينساه الناس في ذلك اليوم، لأنه قبلئذ كلما قالوا له: ازرع لم يسمع، وجحد بآيات الله وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ.
قيمة العقل
[٥٣] قيمة العقل الأساسية أنه يرشدك إلى الحقائق المستقبلية، ويجعلك تتجنب المشكلات والصعوبات قبل وقوعها، والرشيد حقا هو: الذي يتنبأ بالمستقبل، بينما الغبي حقاً هو: الذي لا يعترف إلا بالواقع الحاضر، فإذا قيل: إن هذا الجدار يريد أن ينقض، اتكأ عليه وقال: إنني لم أهدم الجدار، وحين ينهدم الجدار سأقوم عنه، ولكن إذا انهدم الجدار هل يبقى له اختيار؟ كلا ..
كذلك المؤمنون والكفار، أولئك يعقلون المستقبل ويتنبئون به، ويعملون وفق الرشاد الذي يهديهم إليه العقل، بينما هؤلاء ينتظرون وقوع الحقائق وحضورها عندهم، وهذا ما يسميه القرآن بالتأويل، أي عاقبة الأمر وما يؤول إليه، وبعد التأويل وحضور المستقبل لا ينفع العلم به شيئا، إذ آنئذ حتى الحمار يراه!!.
هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ إن انتظار الشفيع، أو العودة إلى الماضي هو نوع من الغباء أيضا، إذ كيف يبني الله الحكيم الجزاء على أساس عمل الآخرين، وليس على أساس عمل الشخص ذاته مباشرة أو غير مباشرة؟! وكيف يعود الماضي؟!
إن للإنسان فرصة واحدة فقط هي مدة عمره، فإذا انقضى أجله، ولم يستفد من الفرصة ضاعت عليه نفسه وإلى الأبد قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ إن نفسك مقسمة على ساعات عمرك، فكلما ضيعت ساعة أكل الندم جزءاً من نفسك.
أما الباطل الذي لا يستمد وجوده وشرعيته من الحق والواقع، فإنه يضل كما السراب في الصحراء، إن تصوراتك تعتمد على وجودك فإذا خسرت نفسك فهل تنفع تصوراتك وخيالاتك؟ فالسعي مردود، والجهد خائب، وهذا وذاك في ضلال مبين وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ.