من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣١ - بينات من الآيات بين الشك واليقين
عذاب الخزي في الحياة الدنيا وأعطاهم مهلة إلى فترة محددة.
بينات من الآيات: بين الشك واليقين
[٩٤] لم يشك الرسول في صحة رسالة الله التي أنزلت اليه، ولكن خشية الرسول كانت من عدم تطبيق الرسالة بسبب جحود الكفار، وبسبب حكمة الله البالغة التي قد تقتضي تأجيل نصر الله لرسالته، كما كانت خشية موسيعليه السلام حين ألقى السحرة حبالهم فسحرت أعين الناس، كانت خشيته آنئذ من أن تشاء حكمة الله إلا ينصر رسالته في تلك اللحظة فتنة للناس، وابتلاء للرسول.
بيد أن هذا الشك وهذا الخوف يقل حينما نراجع التاريخ، ونسأل الذين يقرؤونه، حيث ينصر ربنا سبحانه رسالته في لحظة الحرج وساعة العسرة فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ولا يعني السؤال هنا: أن يذهب رسول الله أو المؤمنون به إلى شخص مثل (عبد الله بن سلام) الذي آمن بالرسالة، وكان عارفاً بتاريخ الرسالات، إنما جرى الحديث مجرى العموم، أي مراجعة الخبراء والعارفين بالتاريخ من جميع الطوائف، وطبيعي أن سؤالهم يؤيد الحقائق القرآنية، ولكن بشرط أن يكونوا ثقات، والثقة شرط فطري وعقلي للعالم الذي يسأله الناس.
لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ أي حين تراجع التاريخ وترى كيف نصر الله رسالاته آنئذ إبتعد عن الشك إلى اليقين، وهذه الآية توحي ببعض الحقائق التي نشير اليها فيما يلي
ألف: إن الخطابات القرآنية لا يجب أن تكون موجهة إلى شخص الرسول، لأن القرآن كتاب الله إلى الناس جميعاً، وبذلك لانحتاج إلى التأويل، كلما وجدنا خطاباً في الآيات، ولذلك قال الزجاج في هذه الآية كلاماً نراه في كل الآيات المتشابهة تقريبا: (بأن هذه الآية قد كثر سؤال الناس عنها وخوضهم فيها، وفي السورة ما يدل على بيانها، فإن الله سبحانه يخاطب النبي وذلك الخطاب شامل للخلق، فالمعنى: (فإن كنتم في شك فاسألوا) والدليل على قوله في آخر السورة قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ الآية [يونس: ١٠٤] فأعلم الله سبحانه إن نبيه ليس في شك) [١].
[١] مجمع البيان: ج ٥، ص ٢٢٦.