من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٦ - بينات من الآيات المكر بعد الرحمة
لو انجاهم يصبحون من الشاكرين.
بيد أنه حين يخلصهم الله من ورطتهم تراهم يفسدون في الأرض، ويرتكبون المعاصي، بينما تلك المعاصي موجهة ضدهم، لأنها بالتالي متاع الحياة الدنيا المحدودة، وبعدها ينتقل البشر إلى ربه ليجازيه.
بينات من الآيات: المكر بعد الرحمة
[٢١] الرحمة بعد الضراء ليست كالرحمة من دونها، فحين تكون مريضاً يستبد بك الألم والخوف، فتنزل عليك رحمة السلامة والعافية، وحين تكون فقيرا يضيق بك رحب الدنيا وتلاحقك أعين الناس ازدراءً، فتهبط عليك رحمة الغنى والعزة، آنئذ تشعر عمق لذة النعمة، بذات الحساسية التي شعرت بألم الضراء.
والإنسان الذي تذوق الرحمة وأحس بمس الضراء، عليه أن يعترف بأن الله هو مدبر الخير والشر، وأنه، يملك من ذاته شيئاً، ولكنه لا يفعل ذلك.
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا يحاولون تفسير الآيات بما يتناسب وغرورهم، أو يسعون في طمس معالم الحقيقة التي تخالف مصالحهم وأهواءهم، أو حتى أنهم يتصرفون في نعم الله، بغير الوجه السليم الذي يضمن استمرارها، وآنئذ ياخذهم الله بعملهم السيء.
قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ إن مكر الله هو تقليب الأمور وفق السنن التي يجريها في الحياة، والتي تقضي بزوال النعم التي لا يشكرها الناس، ولا يحافظون على عواملها السلوكية والنفسية.
إن ملائكة الله يحصون على الإنسان كل صغيرة وكبيرة حتى لا يقدر على التحايل عليهم، والأدعاء بأنه قد عمل صالحاً.
ويبدو أن هذه الآية تصدق على الحضارات البشرية التي تبدأ بصعوبات كبيرة حتى تبلغ مرحلة النضج ويعم الرخاء، ثم يمكر البشر في آيات الله فتنحدر إلى الحضيض، كما تنطبق على حياة كل واحد من البشر، تحمل الصعاب حتى بلغ منيته، ولكنه اغتر بعدئذ بنعم الله عليه فكفر بها، فأزالها الله عنه.
[٢٢] وكمثل على هذه الحقيقة يبين ربنا سبحانه قصة راكبي البحر بالسفينة الشراعية التي وقفت في عرض البحر بسبب ركود الهواء، ثم تهب عليها ريح طيبة فيستبشرون بها، ولكنهم في ذات الوقت يفرحون بها مما ينسيهم شكر الله.