من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧١ - دلائل إلهية الرسالة
إن اعداء الرسالة حاولوا ربط أفكارها الجديدة بما لدى الفرس والروم، أو بالسحر والقوى الغيبية الأخرى، لأنهم وجدوا تناقضا حادا بينها وبين الأفكار الشائعة في وسطهم الثقافي، كما أن فريقاً من المستشرقين وأدعياء علم التاريخ يحاولون ربط بينات القرآن بما كان عند الأحبار والرهبان من أفكار.
بيد أننا نرى تناقضاً واضحاً بين هدى وبينات وبصائر القرآن، وبين الثقافة المسيحية الخليطة بالوثنية المانوية، أو الأفلاطونية الجديدة التي كانت شائعة آنئذ في عالم اليهود والنصارى.
من هنا كان واضحاً إن ما جاء على لسان الرسول كان وحياً خارقاً للعادات والقوانين السائدة، طاهراً نقيًّا عن مؤثرات الوسط الاجتماعي أو الثقافي للرسول، ولذلك أكد القرآن على هذه الحقيقة قائلا فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ خلال ذلك العمر الذي بلغ الأربعين عاماً تبلورت شخصية الرسول بدأ الوحي ينزل عليه متتاليًّا بنسق واحد وباسلوب مختلف جداً عن كلامه صلى الله عليه واله وما كانوا يعهدون منه صلى الله عليه واله قبل الوحي.
إن المهندس يتعلم القراءة والكتابة ثم يعطى معلومات موجزة عن الرياضيات، ومن ثم يتدرج في تعلم أوليات الهندسة، وكل يوم يزداد علمه حتى يتخرج من الكلية بصفته مهندساً، لأنه قبلئذ كان يعلم كثيراً من المعلومات الهندسية، ولكن إذا نام هذا الرجل واستيقظ مهندساً، وكانت معلوماته كلها جديدة بالنسبة إليه، أو ليس في ذلك دليل واضح على أن علمه كان غيبيًّا؟!.
[١٧] والرسول كان يؤكد على هذه الحقيقة وهي أن نسبة فكرة أو رؤية إلى الله جريمة نكراء، وأن جزاءها العاجل هو عدم وصول صاحبها إلى هدفه الذي رسمه لنفسه، وبتعبير أوضح أنه لا يفلح، من هنا لم يكن يقدم على هذه الجريمة، ولم يكن ينسب الوحي إلى الله لو لم يكن من عنده فعلا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ وعادة ما يكون المفتري على الله كذباً هو ذاته الذي يكذب بآيات الله، لأن البشر ينتمي إلى مبدأ معين وذلك المبدء قد يكون رساليًّا، وقد يكون جاهليًّا، فإذا انتمى إلى المبدأ الجاهلي لابد أن يبرر انتماءه فيفتري على الله كذباً، ليدعي أن مبدءه حق، وأن المبادىء الأخرى باطلة.
وكلمة اخيرة: إن بعض الناس لا يفترون على الله الكذب بصورة مباشرة، ولكنهم يعتبرون بنات أفكارهم وتخرصات أهوائهم هي الحق الذي لا ريب فيه، وهذا بدون شك نوع من الإجرام بحق أنفسهم، وبحق الفكر السليم، وهو يؤدي حتماً إلى الفشل وعدم الفلاح.