من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٢ - إنما الأعمال بالنيات
بسبب عذر شرعي لا ينافي إيمانه وتقواه مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ أي ليس على من كان محسناً وأراد فعل الخير فلم يقدر على القيام بكل الواجب سبيل المؤاخذة والعقاب، والكلمة مطلقة ونستوحي منها: إن كل من أراد الخير وتحرك نحوه فسواء أصاب أو أخطأ. سدد في عمله أو لم يسدد. بلغ هدفه أو لم يبلغ فإنه مجزي عند الله تعالى وليس عليه عقاب.
ومن هنا جاء في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله لَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ
(إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَاماً مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ فِيهِ، قَالُوا يَارَسُولَ الله وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟، قَالَصلى الله عليه واله: نَعَمْ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ) [١].
وإنما أكد القرآن على هذه الحقيقة مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ لأنه من الممكن أن يتكبر المقاتلون على العاجزين والمرضى فيؤذونهم بألسنتهم، أو يحاولون منع بعض حقوقهم بحجة أنهم لم يساهموا في المعركة، فأكد القرآن على أن هؤلاء محسنون، لأنهم أرادوا المشاركة فلم يقدروا، ولذلك لا سبيل عليهم، ولا تفوق أو استعلاء.
وقد يستبد بالمؤمنين ذوي الأعذار وسواس الشيطان فيوقعون أنفسهم في الحرج الشديد، لأنهم يخافون مثلًا ألا يكون الحرج قد بلغ حداً واقعاً يمنعهم من الخروج، وفي هذه الحالة لا سبيل على المحسنين ذوي النيات الصالحة، والسلوك الإجمالي الصالح، وأضاف سبحانه قائلا وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فحتى ولو كان هناك بعض التقصير فإن غفران الله تعالى يجبره ويعوض المؤمن عن تقصيره.
[٩٢] كذلك لا حرج على من يريد الخروج ويسجل اسمه في قائمة المتطوعين للحرب ولكن الدولة الإسلامية لا تجد وسائل الحرب له من سلاح أو ذخيرة أو حتى وسائل المواصلات وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ إنك تجد في هؤلاء مثلًا رائعاً لذوي الأعذار الناصحين لله تعالى ولرسوله والمحسنين الذين تحدثت عنهم الآية السابقة. إنهم ممتلؤون إندفاعاً نحو المعركة إلى درجة أنهم يتفجرون بكاء حين لا يقدرون على المشاركة فيها.
وقد جاء في التفسير (نزلت هذه السورة في البكائين وهم سبعة [٢] جاؤوا إلى رسول الله
[١] بحار الأنوار: ج ٢١ ص ٢٤٨.
[٢] عن الدر المنثور: ج ٣، ص ٢٦٨، والسبعة هم:» من بنى عمر بن عوف سالم بن عمير، ومن بنى واقن حرمي بن عمرو، ومن بنى مازن ابن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى، ومن بنى المعلى سلمان بن صخر، ومن بنى حارثة عبد الرحمن ابن زيد أبو عبلة، ومن بنى سلمة عمرو بن غنمة وعبد الله بن عمر والمزني. «