من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٠ - من يجوز له التخلف؟
بينات من الآيات: المعذرون من الأعراب
[٩٠] وفي سياق بيان القرآن لطوائف المنافقين أخذ يعدد الأعراب الذين لما يدخل الإيمان في قلوبهم، والذين يعرفون ظاهراً من الدين، وهؤلاء جاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه واله ليأذن لهم بالانصراف عن الحرب بعد ان انتحلوا عذرا، ولم يكن الهدف من بيان عذرهم ألا الفرار من الجهاد لذلك عبر القرآن الحكيم عنهم وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنْ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ويبدو من معنى كلمة (المعذر) إنه الذي يتكلف عذراً ويختلقه، والهدف من مجيئهم كان الإذن للإنصراف لا الإستفهام الحقيقي عن واجبهم الديني.
وفسر بعض المفسرين هذه الآية بطريقة أخرى فقال: (الظاهر أن المراد بالمعذرين هم أهل العذر كالذي لا يجد نفقة ولا سلاحا بدليل قوله وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا ... الآية، والسياق يدل على ان في الكلام قياسا لإحدى الطائفتين إلى الأخرى ليظهر به لؤم المنافقين وخستهم وفساد قلوبهم وشقاء نفوسهم حيث أن فريضة الجهاد الدينية والنصرة لله ورسوله هيج لذلك المعذرين من الأعراب حيث جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه واله يستأذنونه، ولم يؤثر في هؤلاء الكاذبين شيئاً) [١].
وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ هؤلاء قعدوا عن الحرب دون استئذان وذلك بسبب كذبهم على الله ورسوله سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إن هؤلاء قد يكونون ممن تتكامل شخصيته ويضحي مسلماً حقيقيًّا بعد أن كان اعرابيًّا جاهلًا وكاذباً يتشرد من الواجبات مع أو بدون انتحال عذر، فحسابه على الله تعالى، وقد يكشف عن جهله وكفره في المستقبل فيكون له عذاب أليم.
ويبدو لي من ظاهر هذه الآية: أن الأعراب نوع خاص من المنافقين وهم الذين ينافقون بسبب جهلهم وعدم رسوخ الإيمان في قلوبهم لحداثة عهدهم بالإسلام، ولتراكم الرواسب الجاهلية على قلوبهم، ويرجى لهؤلاء الهداية ولذلك خص القرآن العذاب ببعض الأعراب وهم الذين كفروا منهم (دون جميعهم).
من يجوز له التخلف؟
[٩١] ولكن من هو صاحب العذر الحقيقي، الذي يجوز له التخلف عن واجب الجهاد؟.
[١] تفسير الميزان: ج ٩، ص ٣٦٢- ٣٦١.