من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٩ - الغنى سلم الكفر
وشح النفس وقضية العودة إلى حالة الفقر تضغط عليهم باتجاه البخل وتغريهم بالفساد.
* وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ إن فضل الله ينبغي أن يدفع الفرد باتجاه الصدقة والصلاح، لأن الذي أعطى يقدر على أن يسلب العطاء، ويعيد حالة الفقر. بيد أن ذوي النفوس الضعيفة والإرادات المهترئة تراهم يغترون بنعمة الله وفضله.
[٧٦] وقد يكون المنافق واحداً منا دون أن نشعر لأنه قد يستطيع الواحد أن يقاوم ضغط الفقر، ولكنه ينهار أمام إغراء المال، أو حتى يقاوم هذا الإغراء ولكنه ينهار أمام إغراء السلطة والجاه، وهكذا على الإنسان أن يتزود بالإيمان ويتسلح بالإرادة الصلبة والتوكل على الله حتى لا يصبح مثل الذين يقول عنهم القرآن فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ أي أنهم بالإضافة إلى عدم وفائهم بالعهد السابق الذي ألزموا أنفسهم به من الصدقة، بالإضافة إلى ذلك تجدهم يقاومون شريعة الله وأوامر الرسول.
وجاء في التفاسير [١] قصة طريفة بطلها شخص باسم ثعلبة فقالوا: (إِنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ حَاطِبٍ الْأَنْصَارِيَّ أَتَى رَسُولَ الله، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله أُدْعُ الله أَنْ يَرْزُقَنِي مَالًا. فَقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه واله
وَيْحَكَ يَا ثَعْلَبَةُ اذْهَبْ واقْنَعْ بِمَا عِنْدَكَ فَإِنَّ الشَّاكِرَ أَحْسَنُ مِمَّنْ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لَا يَشْكُرُهُ
. فَذَهَبَ ورَجَعَ بَعْدَ أَيَّامٍ وقَالَ: يَارَسُولَ الله أُدْعُ الله تَعَالَى أَنْ يُعْطِيَنِي مَالًا. فَقَالَ الرَّسُولُ
أَ لَيْسَ لَكَ بِي أُسْوَةٌ فَإِنِّي بِعِزَّةِ عَرْشِ الله لَوْ شِئْتُ لَصَارَتْ جِبَالُ الْأَرْضِ لِي ذَهَباً وفِضَّةً
. فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَارَسُولَ الله سَلِ الله تَعَالَى أَنْ يُعْطِيَنِي مَالًا فَإِنِّي أُؤَدِّي حَقَّ الله وأُؤَدِّي حُقُوقاً وأَصِلُ بِهِ الرَّحِمَ. فَقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه واله
اللَّهُمَّ أَعْطِ ثَعْلَبَةَ مَالًا
. وكَانَ لِثَعْلَبَةَ غُنَيْمَاتٌ فَبَارَكَ الله فِيهَا حَتَّى تَتَزَايَدَ كَمَا تَزَايَدُ النَّمْلُ، فَلَمَّا كَثُرَ مَالُهُ كَانَ يَتَعَاهَدُهُ بِنَفْسِهِ وكَانَ قَبْلَهُ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الرَّسُولِ صلى الله عليه واله، فَبَنَى مَكَاناً خَارِجَ الْمَدِينَةِ لِأَغْنَامِهِ فَصَارَ يُصَلِّي الظُّهْرَ والْعَصْرَ مَعَ الرَّسُولِ صلى الله عليه واله، وصَلَاةَ الصُّبْحِ والْمَغْرِبِ والْعِشَاءِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، ثُمَّ زَادَتِ الْأَغْنَامُ فَخَرَجَ إِلَى دَارٍ كَبِيرٍ بَعِيدٍ عَنِ الْمَدِينَةِ فَبَنَى مَكَاناً فَذَهَبَ مِنْهُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ والصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ والْجَمَاعَةُ والِاقْتِدَاءُ بِالرَّسُولِ صلى الله عليه واله، وكَانَ يَأْتِي الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا كَثُرَ مَالُهُ ذَهَبَ مِنْهُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، فَكَانَ يَسْأَلُ عَنْ أَحْوَالِ الْمَدِينَةِ مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْه. فَقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه واله
مَا صَنَعَ ثَعْلَبَةُ
. قَالُوا يَا رَسُولَ الله إِنَّ لَهُ أَغْنَاماً لَا يَسَعُهَا وَادٍ فَذَهَبَ إِلَى الْوَادِي الْفُلَانِيِّ وبَنَى فِيهِ مَنْزِلًا وأَقَامَ فِيهِ. فَقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه واله
يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ يَا وَيْحَ
[١] تفسير جوامع الجامع: ج ٢ ص ٨٢، تفسير الصافي: ج ٢ ص ٣٦١، تفسير القرطبي: ج ٨ ص ٢٠٩.