من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥ - زنزانة الحياة
وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ.
[٣] لقد أنزل الله الكتاب لكي لا يتبع الإنسان سوى القيم السماوية، والذين يجسدون تلك القيم، ولا يخضعون لهذا أو ذاك بأي أسماء مخترعة .. اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ أي لا تتركوا اتباع القرآن باتباع الأولياء الغرباء ..
قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ إذ البشر قلما يستطيع التحرر من جاذبية الأشياء والأشخاص، والتحليق في سماء القيم، وإذا تمت هذه الحرية فإنما تتم عن طريق التذكر بالله وباليوم الآخر.
[٤] وحين يتبع الإنسان أولياء من دون الله فإنه هالك، ويأتيه عذاب الله على غفلة منه دون أن يستطيع له ردا.
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ أي ليلا أو في منتصف النهار حين يستريحون إلى نوم القيلولة، أو بتعبير آخر ليلا أو نهارا.
[٥] ولم تكن حجتهم إذ ذاك إلا الاعتراف بظلمهم فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ لقد كان ظلمهم بوعي، وبعد إتمام الحجة عليهم، لذلك اعترفوا به حين الهلاك ولم يدعوا- حتى مجرد الادعاء- بغير ذلك.
[٦] ولم تنته العقوبة بالنسبة لهؤلاء بالهلاك الدنيوي، إذ جاء بعدئذ دور الحساب الأخروي فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ أي نسأل المبلغين للرسالة كيف بلغوا وبماذا أجيبوا؟ ونسأل الناس لماذا لم يجيبوا بعد إتمام الحجة عليهم؟.
[٧] ولكن هذا السؤال ليس عن جهل أو عن غيبة، بل لمجرد المحاسبة، ولكي يعترف الظالمون بجريمتهم، فإن الله سوف ينبؤهم عن كافة تفاصيل حياتهم بعلم، لأن الله لم يكن غائبا حين اكتسابهم للأعمال .. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ.
[٨] وبعد المحاسبة يأتي دور الجزاء العادل، لأن ما يوزن به الأعمال حق ودقيق وليس فيه أدنى نقص.
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ لأنهم أصابوا الفلاح المادي والمعنوي بالجنة والرضوان، وقد انتهت صعوبات الحياة ومخاوفها بحياة رغيدة آمنة.
[٩] ولكن الخسارة كل الخسارة هي أن يكتشف الفرد خفة موازينه، إذ لا يملك البشر سوى فرصة واحدة للعمل هي أيام عمله المعدودة في الدنيا، فإذا خسرها فماذا يبقى له هناك؟.