من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٨ - كيف نبلور جوهر الذات؟
كيف نبلور جوهر الذات؟
[١٧٢] كما حبة حيّة يدفنها التراب والوحل والسماد ولكنها تنشط وتتحدى وتخرج إلى النور وتبرز حيويتها وقدراتها، وإمكاناتها وتعطي ثمراتها، كذلك كل واحد من أبناء البشر يدفنه ركام الخرافات، ووحل الضغوط والشهوات، عليه أن ينشط وأن يتحدى وأن يبلور جوهرته الإنسانية، وأن ينبعث خلقاً جديداً، وهذه مسؤولية الإنسان، وذلك ميثاق الله الذي تعهد به كل فرد من أبناء آدم وحواء.
ولكن كيف يبلور الواحد منا جوهر الإنسانية في ذاته، ويصبح ذلك الإنسان الذي فضله الخالق وأكرمه وخلقه في أحسن تقويم؟.
إنما عن طريق الإتصال المباشر بالله، والإنطلاق من الإيمان به نحو بناء حياة جديدة لنفسه، مستقلة عن تقليد الآباء، وحرة بعيدة عن الغفلة والنسيان.
لقد كنا في صورة ذرّ- كما جاء في أحاديث صحيحة-، وكنا في صُلب آدم عليه السلام، أو كان بعضنا في صلب البعض، وأخرجنا الله سبحانه وأشهدنا على أنفسنا وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ قد يكون معنى هذه العبارة أن ربنا أخرج كل ولد من ظهر والده. وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ الغفلة لا تكون تبريرا مقبولًا للبشر عند الله، بل يجب أن يتحدى البشر حجاب الغفلة بنور التذكر، وبوهج العقل الذي يشع في ضمير البشر في بعض الأحيان إن لم يكن دائما.
[١٧٣] أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ أن هذا التبرير ليس سليماً ولا مقبولًا عند الله، إذ أن الله قد أخذ الميثاق من كل واحد منا وحمله مباشرةً مسؤولية الإيمان، وإذا قصر جيل في إيمانه فأن الأجيال القادمة غير معذورة باتباع ذلك الجيل الأول، وهذه الآية تحذر من التقليد ببلاغة كافية.
[١٧٤] وربنا الحكيم يذكرنا بهذه الحقائق لكي نعود إلى فطرتنا، ونبلور جوهر الإنسان في ذواتنا، ونرفع عن أنفسنا غشاوة الغفلة وأغلال التقاليد وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.