من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٨ - نقاط الضعف الحضارية في المدينة
لها سنة التحابب والتعاون.
وهدى الناس بالوحي والعقل إلى أهمية الأسرة في بناء كيان المجتمع، كذلك خلق القبيلة وشد بعضها إلى البعض بحبال المحبة، والوحدة الثقافية، ووحدة الهدف والمصير، وهدى الناس إلى أهمية إيجاد الترابط البناء بين أعضاء القبيلة في إطار التقوى، والتعاون على البر والإحسان.
ولكن هذه السنن الطبيعية لا تعني أن قمة الكمال هي في التعرف عليها، والإهتداء إلى كيفية الاستفادة منها، بل قد يكون التكامل في تغيير الطبيعة وتكييفها حسب القيم العليا للحياة، مثل تحويل الحياة القبلية إلى مستوى الأمة تستلهم من قيمة التقوى في بناء علاقاتها الاجتماعية، كما كانت الأمة الإسلامية الأولى، وكما تكون التجمعات الرسالية المكتملة، حيث يرتفع الفرد فيها على علاقاته الأسرية والقبلية، ويبني أساس علاقاته على الاخوة المبدئية، ويكون التجمع هو أبوه وأخوه ورابطته الأولى، ويرى نفسه ابنا للتجمع قبل أن يكون إبنا لوالديه، ومنتميًّا إلى حزب الله قبل أن يكون منتميًّا إلى قبيلة كذا أو عنصر كذا.
ومن هنا بدأ الله حديثه عن الأمة الواحدة في بني إسرائيل في الدرس السابق ثم تحدث عن الأمم المتنافسة، وبين أن رسالة موسى عليه السلام كانت تهتم أيضا بتلك القبائل والأسباط، وتستخدم تلك العلاقات الطبيعية في تنظيم المجتمع، لذلك فجر الله لموسى عليه السلام اثنتي عشرة عينا، لكل قبيلة مشربا معينا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذْ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنْ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ثم بين الله النعم التي أسبغها لأولئك الناس الذين لم يذوبوا أنفسهم بالكامل في بوتقة الإيمان، وقال تعالى وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى المن هو قسم من الحلوى، والسلوى هو الطير المشوي كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ لماذا لم يعد الغمام يظللهم، والمن والسلوى لا ينزلان عليهم؟.
لأنهم ظلموا أنفسهم كما سبق في آيات سورة البقرة، حيث أنهم ملوا حياة البداوة ودعوا ربهم بالعودة إلى المدن.
نقاط الضعف الحضارية في المدينة
[١٦١] وبعد أن هبطوا القرية التي هيأها الله عزوجل لهم فسدت أخلاقهم، فبدل أن يشكروا الله على النعم التي وفرها لهم، وبدل أن يستغفروه سبحانه بخضوع وقنوت حتى