من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٦ - امتحان وفرز
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوَارٌ الخوار: صوت الثور، وربما كان السامري قد صنع جسد العجل وهيكله بطريقة معينة بحيث كان يخور إذا دخل فيه الريح، أو كانت القبضة التي أخذها السامري من أثر الرسول هي التي جعلت العجل يخور.
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا بينما الله كان يكلم موسى تكليما، وقد فصل له ولقومه رسالاته التي تهديهم سبل السلام.
اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ وأي ظلم أكبر من الشرك بالله والردة بعد الإيمان، إن عجل بني إسرائيل كان مثلًا للقيادة الباطلة التي كان السامري يسعى من أجلها، لقد كان العجل يخور- كما القيادات الباطلة تنطق بما لا يهدي سبيلًا، وبما لا يوضح علماً حقيقيًّا- وكان جسداً هيكلًا ولكن بلا روح، كذلك القيادات الباطلة لا تعطي الأمة روحا معنوية.
[١٤٩] وجاء موسى عليه السلام، وانفضحت الكذبة الكبرى، التي اعتمدتها الردة الجاهلية وهي موت موسى عليه السلام، وندم الجميع وسقط في أيديهم، وظهرت الحقيقة المخفية وهي: أنهم قد ضلوا، وآنئذ تابوا إلى ربهم وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ- يبدو لي- أن رحمة الله هنا متمثلة في هداية الله التي من دونها يبقى البشر في الضلالة.
امتحان وفرز
[١٥٠] كانت عبادة العجل امتحانا عسيرا لقوم موسى عليه السلام وتصفية للعناصر الضعيفة والخائنة في المجتمع الرسالي الذي ينبغي أن يقود المجتمعات الأخرى، ويكون شاهداً عليها (أي النموذج الصالح لها)، لذلك حين عاد موسى إلى قومه كان غضبان أسفا.
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً- يبدو لي- أن الغضب هو الرفض الشديد لشيء ما مع القيام بعمل ما من أجل تغييره وإصلاحه وتعويضه، بينما الأسف هو: رد الفعل النفسي تجاه حادثة سابقة قد وقعت خطأ، وموسى عليه السلام كان متأسفاً لما وقع عليه قومه سابقاً من انحراف وضلالة، وغاضباً عليهم الآن لما هم فيه من نقص وقلة فهم ووعي .. قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي لقد تركت وصيي كقائد لكم وكشاهد عليكم أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وأردتم الوصول إليه قبل ميعاده.
إن قوم موسى كانوا لا يزالون في مرحلة الإيمان بالحضور والشهود لا بالمستقبل والغيب، وهذا كان أحد العوامل لتسارعهم إلى عبادة العجل باعتباره إله موسى، كما كان السبب في طلب