من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٨ - من أين تبدأ الثورة الثقافية؟
ويتبين من الآية كما من سائر الآيات: أن قوم موسى عليه السلام كانوا فريقين، مصلحين ومفسدين، وكانت تجربة غياب قائدهم ومنقذهم كافية لفرز هذين الفريقين، وبالتالي تزكية المجتمع عن طريق تصفية فريق المفسدين.
من أين تبدأ الثورة الثقافية؟
[١٤٣] لا يزال بنو إسرائيل تلك الطائفة التي عاشت فترة طويلة في ظل الطاغوت، وتعرضت لعمليات غسل الدماغ من قبل السلطة الظالمة، لا تزال هذه الطائفة تحمل رواسب الماضي بعد تحررها، ولابد من إحداث التغيير الثقافي فيها، ولكن من أين يبدأ هذا التغيير؟.
إنه يبدأ من إصلاح جذر مشكلة الثقافة عند البشر، حيث أن الإنسان يحن نحو الماديات الظاهرة، وينسى المعنويات، ويغفل عن الغيب، يغفل عن غيب القيم، وعن قدرة الله وحكمته ورحمته، يغفل عن المستقبل وما فيه من إمكانيات، ويلتجئ إلى الظواهر في الحاضر، إلى ما يشاهده من قوة السلطة الجبارة، وما يراه من إمكاناته الحالية، فيخضع لها، ويستسلم لاتجاهها.
ورسالات السماء توجه الناس إلى الله، إلى غيب الغيوب، إلى ملهم القيم ومالك المستقبل، إلى مبعث الأمل المشرق، وإذا تعلق الإنسان بالله (الغيب) فإنه يتخلص من كل رواسب الثقافة المادية، لذلك بدأ الله في إصلاح قوم موسى عليه السلام انطلاقا من هذه النقطة، حيث كان قوم موسى يلحون عليه بأن يريهم ربهم ومرة قالوا له: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، ومرة صنعوا لأنفسهم عجلًا وزعموا أنه هو إله موسى، ومرة طلبوا أن يروا الله جهرة، وهكذا لذلك راح موسى عليه السلام يدعو الله أن يريه نفسه وهو يعلم أن الله لا يرى [١] وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى
[١] بيان ذلك هو: ما ورد، عن الإمام الرضا عليه السلام في جواب المأمون العباسي: ( (قَالَ لَهُ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ... الْآيَةَ، كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلِيمُ اللَّهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عليهما السلام لَايَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَايَجُوزُ عَلَيْهِ الرُّؤْيَةُ حَتَّى يَسْأَلَهُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ؟. فَقَالَ الرِّضَا عليه السلام: « ( (إنَّ كَلِيمَ اللَّهِ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عليهما السلام عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى [عَزَّ] عَنْ أَنْ يُرَى بِالْأَبْصَارِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَرَّبَهُ نَجِيّاً رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ وَنَاجَاهُ. فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَهُ كَمَا سَمِعْتَ. وَكَانَ الْقَوْمُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ فَاخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفاً، ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ آلَافٍ، ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعَمِائَةٍ، ثُمَّ اخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِ رَبِّهِ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ فَأَقَامَهُمْ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ وَصَعِدَ مُوسَى عليه السلام إِلَى الطُّورِ وَسَأَلَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُكَلِّمَهُ وَيُسْمِعَهُمْ كَلَامَهُ فَكَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَسَمِعُوا كَلَامَهُ مِنْ فَوْقُ وَأَسْفَلُ وَيَمِينُ وَشِمَالُ وَوَرَاءُ وَأَمَامُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحْدَثَهُ فِي الشَّجَرَةِ، ثُمَّ جَعَلَهُ مُنْبَعِثاً مِنْهَا حَتَّى سَمِعُوهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ. فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي سَمِعْنَاهُ كَلَامُ اللَّهِ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، فَلَمَّا قَالُوا: هَذَا الْقَوْلَ الْعَظِيمَ وَاسْتَكْبَرُوا وَعَتَوْا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ صَاعِقَةً فَأَخَذَتْهُمْ بِظُلْمِهِمْ فَمَاتُوا، فَقَالَ مُوسَى يَارَبِّ مَا أَقُولُ: لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَيْهِمْ، وَقَالُوا: إِنَّك
ذَهَبْتَ بِهِمْ فَقَتَلْتَهُمْ لِأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ صَادِقاً فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ مُنَاجَاةِ اللَّهِ إِيَّاكَ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَبَعَثَهُمْ مَعَهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ لَوْ سَأَلْتَ اللَّهَ أَنْ يُرِيَكَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ لَأَجَابَكَ وَكُنْتَ تُخْبِرُنَا كَيْفَ هُوَ فَنَعْرِفُهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، فَقَالَ مُوسَى عليه السلام: يَا قَوْمِ إِنَّ اللَّهَ لَايُرَى بِالْأَبْصَارِ وَلَا كَيْفِيَّةَ لَهُ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِآيَاتِهِ وَيُعْلَمُ بِأَعْلَامِهِ، فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَسْأَلَهُ. فَقَالَ مُوسَى عليه السلام: يَا رَبِّ إِنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ مَقَالَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِصَلَاحِهِمْ. فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ إِلَيْهِ يَامُوسَى: اسْأَلْنِي مَا سَأَلُوكَ فَلَنْ أُؤَاخِذَكَ بِجَهْلِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ مُوسَى عليه السلام: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ. قالَ: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ- وَهُوَ يَهْوِي- فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ- بِآيَاتِهِ- دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ يَقُولُ رَجَعْتُ إِلَى مَعْرِفَتِي بِكَ عَنْ جَهْلِ قَوْمِي وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ بِأَنَّكَ لَاتُرَى. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ»). بحارالأنوار: ج ٤، ص ٤٧، باب ٥- نفي الرؤية وتأويل الآيات).