من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٧ - بينات من الآيات حكمة الغيبة
سبيل الإصلاح، وترك سبل المفسدين، وجاء موسى لميقات ربه وهو يحمل رجاء قومه بالنظر إلى الله، فلما كشف لربه عن هذا الطلب الغريب النابع عن جهل الناس بالله وبصفاته الحسنى، أمره ربه بالنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فقد يكون لكلامه وجه، ولكن الجبل تدكدك وخر موسى صعقا، وأغمي عليه من هول المنظر، ولما أفاق قال: سبحانك أنت منزه عن هذا الطلب وأنا أول المؤمنين بك، وربما كانت تلك هي البداية الظاهرة للثورة الثقافية التي يقوم به الرسل بعد وقبل السيطرة على السلطة، حيث أن الله سبحانه أوحى إلى موسى عليه السلام برسالاته، وأنه كلمه من دون الناس تكليما، وأن عليه أن يأخذها بقوة، وأن يمتلأ قلبه رضا بها وشكرا، حتى يدافع عنها بكل قوة.
وكتب الله لموسى في تلك الألواح التي أنزلها ما ينفع الناس من كل شيء، وفي كل حقل، وذلك بهدف تزكية الناس، وبيان تشريع مفصل لهم، وأمره بالدفاع عن هذه الرسالة، وأن يبلغها قومه حسب الظروف المختلفة، ففي كل ظرف يعملون بأحسن ما في الرسالة، وأكثرها تطبيقا على ذلك الظرف، وحذره من الفسق وعدم تطبيق بنود الرسالة، وقال له سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ.
بينات من الآيات: حكمة الغيبة
[١٤٢] مع انتصار بني إسرائيل تلك الفئة المستضعفة التي آمنت بموسى وبرسالته الاجتماعية، ازداد تعلق الجماهير بقائدهم موسى عليه السلام تعلقاً شخصيًّا، وكان من الضروري تحول هذه العلاقة من شخص موسى عليه السلام إلى رسالته وقيمه ليستمر خطه من بعده وربما لذلك غاب موسى عليه السلام بأمر من ربه عن قومه أربعين ليلة، وكانت غنية- كما سيأتي في الدرس القادم- بامتحان عسير لقومه، كشف ما بهم من نقاط ضعف ثقافية واجتماعية، وأعطى لموسى عليه السلام فرصة كافية لتربيتهم وهدايتهم* وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ وسيأتي في الدروس القادمة حكمة إتمام الثلاثين بعشر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً أما وصية موسى عليه السلام لخليفته وأخيه هارون فكانت هي ضرورة المحافظة على الإصلاح.
وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ لقد سبق الحديث عن أن الأمم في بداية انطلاقها تهتم بالبناء والإنتاج والإصلاح، أما بعدئذ فإنها تقوم بالاستهلاك والهدم والفساد، وعندها كان الرسل عليهم السلام يحذرون الناس من الفساد، فأوصى موسى أخاه بهذه الوصية عندما تخلص بنو إسرائيل من الطاغوت، وخف عندهم شعورهم الثوري السابق.