الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (سلطان العلماء) - الشهيد الثاني - الصفحة ٢٢١
الفصل الثاني في تعقيب الإقرار بما ينافيه
و هو قسمان مقبول و مردود
و المقبول منه الاستثناء
إذا لم يستوعب المستثنى منه سواء بقي أقل مما أخرج أم أكثر أم مساو و لأن المستثنى و المستثنى منه كالشيء الواحد فلا يتفاوت الحال بكثرته و قلته- و لوقوعه في القرآن (١) و غيره من اللفظ الفصيح العربي
و إنما يصح الاستثناء
إذا اتصل بالمستثنى منه- بما جرت به العادة فيغتفر التنفس بينهما و السعال و غيرهما مما لا يعد منفصلا عرفا- و لما كان الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في اللفظ كان المستثنى (ج ٦/ ص ٤١٠) و المستثنى منه متناقضين
فمن الإثبات نفي و من النفي إثبات
أما الأول فعليه إجماع العلماء و أما الثاني فلأنه لولاه لم يكن لا إله إلا الله يتم به التوحيد لأنه لا يتم إلا بإثبات الإلهية لله تعالى و نفيها عما عداه تعالى و النفي هنا حاصل فلو لم يحصل الإثبات لم يتم التوحيد- و على ما ذكر من القواعد
فلو قال له على مائة إلا تسعين فهو إقرار بعشرة
لأن المستثنى منه إثبات للمائة و المستثنى نفي للتسعين منها فبقي عشرة- و لو قال إلا تسعون بالرفع- فهو إقرار بمائة لأنه لم يستثن منها شيئا لأن الاستثناء من الموجب التام لا يكون إلا منصوبا- فلما رفعه لم يكن استثناء و إنما إلا فيه بمنزلة غير يوصف بها و بتاليها (ج ٦/ ص ٤١١) ما قبلها و لما كانت المائة مرفوعة بالابتداء كانت التسعون مرفوعة صفة للمرفوع و المعنى له على مائة موصوفة بأنها غير تسعين فقد وصف المقر به و لم يستثن منه شيئا و هذه الصفة مؤكدة صالحة للإسقاط إذ كل مائة فهي موصوفة بذلك مثلها في نَفْخَةٌ وٰاحِدَةٌ.
و اعلم أن المشهور بين النحاة في إلا الوصفية كونها وصفا لجمع منكر كقوله تعالى لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلَّا اللّٰهُ لَفَسَدَتٰا و المائة ليست من هذا الباب لكن الذي اختاره جماعة من المتأخرين عدم اشتراط ذلك و نقل في المغني عن سيبويه جواز لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا أي غير زيد.
و لو قال ليس له على مائة إلا تسعون
فهو إقرار بتسعين- لأن المستثنى من المنفي التام يكون مرفوعا فلما رفع التسعين علم أنه استثناء من المنفي فيكون إثباتا للتسعين بعد نفي المائة- و لو قال إلا تسعين بالياء فليس مقرا لأن نصب المستثنى دليل على كون المستثنى منه موجبا و لما كان ظاهره النفي حمل على أن حرف النفي داخل على الجملة- المثبتة المشتملة على الاستثناء أعني مجموع المستثنى و المستثنى منه و هي له علي مائة إلا تسعين فكأنه قال المقدار الذي هو مائة إلا تسعين ليس له علي أعني العشرة الباقية بعد الاستثناء كذا قرره المصنف في شرح الإرشاد على نظير العبارة و غيره (ج ٦/ ص ٤١٢) و فيه نظر لأن ذلك لا يتم إلا مع امتناع النصب على تقدير كون المستثنى منه منفيا تاما لكن النصب جائز حينئذ اتفاقا و إن لم يبلغ رتبة الرفع قال ابن هشام النصب
[١] الحجر: الآية ٤٢.