الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (سلطان العلماء) - الشهيد الثاني - الصفحة ١٣٣
و النشوز
و أصله الارتفاع- و هو هنا الخروج عن الطاعة- أي خروج أحد الزوجين عما يجب عليه من حق الآخر و طاعته لأنه بالخروج يتعالى عما أوجب الله تعالى عليه من الطاعة- فإذا ظهرت أمارته للزوج بتقطيبها في وجهه و التبرم أي الضجر و السام بحوائجه التي يجب عليها فعلها من مقدمات الاستمتاع بأن تمتنع (ج ٥/ ص ٤٢٨) أو تتثاقل إذا دعاها إليه لا مطلق حوائجه إذ لا يجب عليها قضاء حاجته التي لا تتعلق بالاستمتاع- أو تغير عادتها في أدبها معه قولا كأن تجيبه بكلام خشن بعد أن كان بلين أو غير مقبلة بوجهها بعد أن كانت تقبل- أو فعلا كأن يجد إعراضا و عبوسا بعد لطف و طلاقه و نحو ذلك- وعظها أولا بلا هجر و لا ضرب- فلعلها تبدي عذرا و تتوب عما جرى منها من غير عذر- و الوعظ كأن يقول اتقي الله في الحق الواجب لي عليك و احذري العقوبة و يبين لها ما يترتب على ذلك من عذاب الله تعالى في الآخرة- و سقوط النفقة و القسم في الدنيا- ثم حول ظهره إليها في المضجع بكسر الجيم إن لم ينجع الوعظ- ثم اعتزلها ناحية في غير فراشها- و لا يجوز ضربها إن رجا رجوعها بدونه- فإذا امتنعت من طاعته فيما يجب له- و لم ينجع ذلك كله- ضربها مقتصرا على ما يؤمل به رجوعها فلا تجوز الزيادة عليه مع حصول الغرض به و إلا تدرج إلى الأقوى فالأقوى- ما لم يكن مدميا و لا مبرحا أي شديدا كثيرا قال الله تعالى- وَ اللّٰاتِي تَخٰافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضٰاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ (ج ٥/ ص ٤٢٩) و المراد فعظوهن إذا وجدتم أمارات النشوز و اهجروهن إن نشزن- و اضربوهن إن أصررن عليه و أفهم قوله تعالى فِي الْمَضٰاجِعِ أنه لا يهجرها في الكلام و هذا فيما زاد عن ثلاثة أيام «لقوله ص: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه في الكلام فوق ثلاث» و يجوز في الثلاثة إن رجا به رجوعها و لو حصل بالضرب تلف أو إدماء ضمن- و لو نشز الزوج بمنع حقوقها الواجبة لها عليه من قسم و نفقة- فلها المطالبة بها- و للحاكم إلزامه بها فإن أساء خلقه و آذاها بضرب و غيره بلا سبب صحيح نهاه عن ذلك فإن عاد إليه عزره بما يراه و إن قال كل منهما إن صاحبه متعد تعرف الحاكم الحال بثقة في جوارهما يختبرهما و منع الظالم منهما- و لو تركت الزوجة بعض حقوقها الواجبة لها عليه من قسمة و نفقة- استمالة له حل له قبوله و ليس له منع بعض حقوقها- لتبذل له مالا ليخلعها فإن فعل فبذلت أثم و صح قبوله و لم يكن إكراها- نعم لو قهرها عليه بخصوصه لم يحل
و الشقاق و هو أن يكون النشوز منهما
كأن كان كل واحد منهما قد صار في شق غير الآخر- و تخشى الفرقة أو الاستمرار على ذلك- فيبعث الحاكم الحكمين من أهل الزوجين أي أحدهما من أهله (ج ٥/ ص ٤٣٠) و الآخر من أهلها كما تضمنت الآية الشريفة (١) لينظرا في أمرهما بعد اختلاء حكمه به و حكمها بها و معرفة ما عندهما في ذلك- و هل بعثهما واجب أو مستحب وجهان أوجههما الوجوب عملا بظاهر الأمر من الآية- أو من غيرهما لحصول الغرض به- و لأن القرابة غير معتبرة في الحكم و لا في التوكيل و كونهما من الأهل في الآية للإرشاد إلى ما هو الأصلح- و قيل يتعين كونهما من أهلهما عملا بظاهر الآية و لأن الأهل أعرف بالمصلحة من الأجانب و لو تعذر الأهل فلا كلام في
[١] في قوله تعالى: «وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقٰاقَ بَيْنِهِمٰا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِهٰا إِنْ يُرِيدٰا إِصْلٰاحاً يُوَفِّقِ اللّٰهُ بَيْنَهُمٰا». النساء: الآية ٣٥.