نهج الحق وكشف الصدق - العلامة الحلي - الصفحة ٤٧ - البحث السابع في أنه تعالى يستحيل رؤيته
و خالفت الأشاعرة كافة العقلاء في هذه المسألة حيث حكموا بأن الله تعالى يرى للبشر أما الفلاسفة و المعتزلة و الإمامية فإنكارهم لرؤيته ظاهر لا يشك فيه و أما المشبهة و المجسمة فإنهم إنما جوزوا رؤيته تعالى لأنه عندهم جسم و هو مقابل للرائي فلهذا خالفت الأشاعرة باقي العقلاء و خالفوا الضرورة[١] أيضا فإن الضرورة قاضية بأن ما ليس بجسم و لا حال في الجسم و لا في جهة و لا مكان و لا حيز و لا يكون مقابلا و لا في حكم المقابل فإنه لا يمكن رؤيته و من كابر في ذلك فقد أنكر الحكم الضروري و كان في ارتكاب هذه المقابلة سوفسطائيا. و خالفوا أيضا آيات الكتاب العزيز الدالة على امتناع رؤيته تعالى قال عز من قائل لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ[٢] تمدح بذلك لأنه ذكره بين مدحين فيكون مدحا لقبح إدخال ما لا يتعلق بالمدح بين مدحين فإنه لا يحسن أن يقال فلان عالم فاضل يأكل الخبز زاهد ورع و إذا مدح بنفي الإبصار له كان ثبوته له نقصا و النقص عليه تعالى محال
[١] أقول: من راجع كتاب:« الابانة في أصول الديانة»- ص ٥ و ٦ لأبي الحسن الأشعري رئيس الأشاعرة، يظهر له أنه لم يأت بمذهب جديد، يمتاز عن مذاهب المتكلمين من أهل الحديث ٥ و قد صرح في كتابه هذا بأن ما يعتقده، و ما أظهره من أصول العقائد، كله كان تبعا لأحمد بن حنبل، و تقليد له، و أفرط في تعظيمه، و تجاوز الحد بالغلو فيه. و قال عبد الكريم الشهرستاني في الملل و النحل/ ج ١ ص ٩٣:« حتى انتهى الزمان إلي عبد اللّه بن سعيد الكلابي و أبي العباس القلانسي، و الحارث بن أسد المحاسبي، و هؤلاء كانوا من جملة السلف، إلا أنهم باشروا علم الكلام، و أيدوا عقائد السلف بحجج كلامية، و براهين أصولية، فأيد أبو الحسن الأشعري مقالتهم بمناهج كلامية، و صار ذلك مذهبا جديدا لأهل السنة و الجماعة، و انتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية». انتهى. و ذكر بذلك محمد كرد علي في الجزء السادس من كتابه: خطط الشام. و المشبهة و المجسمة من المتكلمين هم الصفاتية. و تبع الأشعري في ذلك أحمد بن حنبل و أتباعه.( راجع الملل و النحل/ ج ١ ص ٩٢ إلى ١٠٨، و حاشية الكستلي المطبوع في هامش شرح العقائد التفتازاني ص ٧٠).