نهج الحق وكشف الصدق - العلامة الحلي - الصفحة ٤٥ - البحث السادس في أن الإدراك ليس لمعنى
بالضرورة فقالوا إن الوجود علة في كون الشيء مرئيا[١] فجوزوا رؤية كل موجود سواء كان في حيز أو لا و سواء كان مقابلا أو لا فجوزوا إدراك الكيفيات النفسانية كالعلم و الإرادة و القدرة و الشهوة و اللذة و غير النفسانية مما لا يناله البصر كالروائح و الطعوم و الأصوات و الحرارة و البرودة و غيرهما من الكيفيات الملموسة. و لا شك في أن هذا مكابرة للضروريات فإن كل عاقل يحكم بأن الطعم إنما يدرك بالذوق لا بالبصر و الروائح إنما تدرك بالشم لا بالبصر و الحرارة و غيرها من الكيفيات الملموسة إنما تدرك باللمس لا بالبصر و الصوت إنما يدرك بالسمع لا بالبصر و لهذا فإن فاقد البصر يدرك هذه الأعراض و لو كانت مدركة بالبصر لاختل الإدراك باختلاله و بالجملة فالعلم بهذا الحكم لا يقبل التشكيك و إن من شكك فيه فهو سوفسطائي. و من أعجب الأشياء تجويزهم عدم رؤية الجبل الشاهق في الهواء مع عدم الحائل السابق و ثبوت رؤية هذه الأعراض التي لا تشاهد و لا تدرك بالبصر و هل هذا إلا عدم تعقل من قائله
البحث السادس في أن الإدراك ليس لمعنى
و الأشاعرة خالفت العقلاء في ذلك و ذهبوا مذهبا غريبا عجيبا لزمهم بواسطته إنكار الضروريات فإن العقلاء بأسرهم قالوا إن صفة الإدراك تصدر عن كون الواحد منا حيا لا آفة به. و الأشاعرة قالوا إن الإدراك إنما يحصل لمعنى حصل في المدرك فإن حصل ذلك المعنى للمدرك حصل الإدراك و إن فقدت جميع الشرائط
[١] شرح العقائد، و حاشية الكستلي- ص ١٠٣، و ترغيب العباد إلى طريق الرشاد- ص ٤٣.