نهج الحق وكشف الصدق - العلامة الحلي - الصفحة ١٢٨ - المطلب الثاني عشر في إبطال الكسب
كان طاعة و إلا فلا و حينئذ لا يكون الفعل مستندا إلى العبد لا في ذاته و لا في شيء من صفاته فينتفي هذا العذر أيضا كما انتفى عذرهم الأول. و أيضا الطاعة حسنة و المعصية قبيحة و لهذا ذم الله تعالى إبليس و فرعون على مخالفتهما أمر الله و كل فعل يفعله الله تعالى فهو حسن عندهم إذ لا معنى للحسن عندهم سوى صدوره من الله فلو كان أصل الفعل صادرا من الله امتنع وصفه بالقبح و كان موصوفا بالحسن فالمعصية التي تصدر من العبد إذا كانت صادرة من الله امتنع وصفها بالقبح فلا تكون معصية فلا يستحق فاعلها الذم و العقاب فلا يحسن من الله تعالى ذم إبليس و أبي لهب و غيرهما حيث لم يصدر عنهم قبيح و لا معصية فلا تتحقق معصية من العبد البتة. و أيضا المعصية قد نهى الله تعالى عنها إجماعا و القرآن مملوء من المناهي و التوعد عليها و كل ما نهى الله تعالى عنه فهو قبيح إذ لا معنى للقبيح عندهم إلا ما نهى الله عنه مع أنها قد صدرت عن إبليس و فرعون و غيرهما من البشر و كل ما صدر من العبد فهو مستند إلى الله تعالى و الفاعل له هو الله تعالى لا غير عندهم فيكون حسنا حينئذ و قد فرضناه قبيحا و هذا خلف. و أما الثالث فهو باطل بالضرورة إذ إثبات ما لا يعقل غير معقول و كفاهم عن الاعتذار الفاسد اعتذارهم بما لا يعلمون و هل يجوز للعاقل المنصف من نفسه المصير إلى هذه الجهالات و الدخول في هذه الظلمات و الإعراض عن الحق الواضح و الدليل اللائح و المصير إلى ما لا يفهمه القائل و لا السامع و لا يدري هل يدفع عنهم ما التزموا به أو لا فإن هذا الدفع وصف من صفاته و الوصف إنما يعلم بعد العلم بالذات فإذا لم يفهموه كيف يجوز لهم الاعتذار به.