نهج الحق وكشف الصدق - العلامة الحلي - الصفحة ١٥٠ - المبحث الثاني أن الأنبياء معصومون
دخلته الحمية و الغيرة مع أنه ص أغير الناس و كيف أنكر أبو بكر و عمر و منعهما فهل كانا أفضل منه
وَ قَدْ رَوَوْا عَنْهُ ص أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ خَرَجَتْ إِلَيْهِ نِسَاءُ الْمَدِينَةِ يَلْعَبْنَ بِالدَّفِّ فَرَحاً بِقُدُومِهِ وَ هُوَ يَرْقُصُ بِأَكْمَامِهِ[١].
[١] و قريب منه ما رواه عن بريد: خرج رسول اللّه« ص» في بعض مغازيه، فلما انصرف، جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول اللّه، إني نذرت: إن ردك اللّه سالما: أن أضرب بين يديك بالدف، و أتغنى؟ فقال رسول اللّه« ص»: إن كنت نذرت فاضربي، و إلا فلا. فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر، و هي تضرب، ثم دخل علي و هي تضرب، ثم دخل عثمان و هي تضرب، ثم دخل عمر، فألقت الدف تحت استها، ثم قعدت عليها، فقال رسول اللّه« ص»: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا، و هي تضرب، فدخل أبو بكر و هي تضرب، ثم دخل علي و هي تضرب، ثم دخل عثمان و هي تضرب، ثم دخلت انت يا عمر، فالقت الدف.( رواه الترمذي في الجامع ج ٥ ص ٣٨٤، و قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث بريد، و في هذا الباب عن عمر و عائشة، في أسد الغابة ج ٤ ص ٦٤، و مسند أحمد ج ٥ ص ٣٥٣
عن جابر قال: دخل أبو بكر على رسول اللّه« ص»، و كان يضرب بالدف عنده، فقعد و لم يزجر، لما رأى من رسول اللّه« ص»، فجاء عمر، فلما سمع رسول اللّه صوته كف عن ذلك، فلما خرج قالت عائشة: يا رسول اللّه، كان حلالا فلما دخل عمر صار حراما؟ فقال« ص»: يا عائشة: ليس كل الناس مرخى عليه( الغدير- ج ٨ ص ٦٤ و نوادر الأصول للترمذي ج ٢ ص ١٣٨ و روى ابن الأثير في جامع الأصول ج ١١ ص ٣٢٢ ط مصر): عن أنس بن مالك، قال: لما قدم رسول اللّه« ص» المدينة لعبت-.- الحبشة لقدومه فرحا بذلك، لعبوا بحرابهم ..
أقول: إذا أردنا أن نقذف بالحق على الباطل، فيدمغه، فإذا هو زاهق، فلا بد و أن نعرف سر اختلاف هذه الأحاديث، و الداعي إلى افتعالها فهل الدافع لقولهم:( يجوز أن يبعث اللّه الكافر نبيا)، هو كون عدة من الخلفاء كانوا قبل الإسلام من عبدة الأصنام، على ما تواتر في التاريخ و أشرنا إليه في الحديث السابق:( لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب)؟ أو غير ذلك؟.
و هل سر ذلك، و الدافع إليه، و إلى نسبة السهو، و عدم العصمة إلى الأنبياء« ع» هو كون الخلفاء غير مأمونين من الخطأ و السهو، و عدم علمهم بالمعارف الدينية، و الأحكام الشرعية، كما صرح في الكتب المعتبرة، مع أنه أساس الخلافة عندهم؟ أو غير ذلك؟.
و هل سر جعل أحاديث اللعب بالبنات، و شهوده« ص» المعازف و الراقصات، و الاستماع لأهازيجهن، هو إثبات فضيلة للخليفة الأول، و الثاني كما يظهر من عدة منها؟.
أو هو إظهار منزلة حليلته عائشة عنده، كما يظهر من أخرى. ثم لا يقنعه ذلك كله، حتى يطلع زوجته عليها، في ملأ من الناس: و هو يقول لها:« أما شبعت؟ أما شبعت؟ و هي تقول: لا، لأنظر منزلتي عنده.( راجع سنن الترمذي ج ٥ ص ٢٨٤ و التاج الجامع للأصول ج ٣ ص ٣١٤، و مصابيح السنة ج ٢ ص ١٩٦).
مع أن الغناء و الملاهي من عمل الشيطان، و مما حرم في الشريعة المقدسة، بنص الكتاب و السنة أفمن العقل أن تعزى إليه« ص» تلك المسامحة المسقطة له عن محله إلى هوة الجهل؟ و ينهّرها الخليفة الأول، و يدحضها الثاني فحسب، دون رسول اللّه« ص»؟ و ما هذا الشيطان الذي لا يخاف من الرسول، و يفرق من عمر؟ و أي نبي هذا الذي يسمع الملاهي، و ترقص بين يديه الرقاصة الأجنبية، و تضرب بالدف و تغني، أو ينظر هو و زوجته إلى تلك المواقف المخزية، ثم يقول:« لست من دد، و لا الدد مني، أو يقول:« لست من دد، و لا دد مني»، أو يقول:« لست من الباطل، و لا الباطل مني»؟( أخرجه البخاري في الأدب، و ابن عساكر، راجع كنز العمال ج ٧ ص ٣٢٣، و فيض القدير ج ٥ ص ٢٦٥ كما في الغدير ج ٨ ص ٧٤.
ألا تعجب من رسول، يلعب الحبشة في مسجده الشريف الذي هو من أشرف بقاع الدنيا، و الذي أسس على التقوى من أول يوم، كما صرح به القرآن الكريم قال تعالى:« وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً» الجن: ١٨، ألا تعجب منه، يرى الحبشة يزفون و يرقصون، و هو و حليلته ينظران إليهم، و عمر ينهاهن، و يقول النبي« ص»:-.-« دعهن يا عمر». و قد قال ابن منظور في لسان العرب ج ١٩ ص ٢٧٤: قد رخص عمر في غناء الأعراب.
أقول: هذه الرواية و غيرها مما ورد في سنن البيهقي ج ١٠ ص ٢٢٤، و كنز العمال ج ٧ ص ٢٣٥ تكشف لنا سر جعل هذه الروايات، مضافا إلى ما ورد: من إحراز المعازف و الغناء في أيام خلافة بني أمية مقاما عظيما عندهم كما صرح به أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني ج ٢ ص ٢٠ و ٢١١ و ج ٤ ص ٢٦٠ و ج ٧ ص ٣٨٧ و ج ٨ ص ٣٢٦
ثم .. أليس من شرط انعقاد النذر، كون متعلقه راجحا، و مما يبتغي به وجه اللّه، ليكون مقربا إليه تعالى زلفى، فيصح للناذر أن يقول: للّه علي كذا. و قد قال رسول اللّه« ص»:
« لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه اللّه تعالى»، أخرجه أبو داود، و احمد، كما في التاج الجامع للأصول ج ٣ ص ٨٣، و قال« ص»:« و من نذر أن يعصي اللّه فلا يعصه»، أخرجه ابن ماجة في سننه ج ١ ص ٦٨٦
فأي رجحان في ضرب المرأة الأجنبية الدف بين يدي الرجل الأجنبي، و غنائها و رقصها أمامه؟ إلا أن يقال: إن تلك الجارية، أو مسجد النبي« ص» قد أباحا تلك المحظورات ..
أو أنه الوضع و الغلو في فضائل الشيخين و عائشة؟ و اللّه الهادي.