نهج الحق وكشف الصدق - العلامة الحلي - الصفحة ٢٦٦ - منعه فاطمة إرثها
أَبَاكَ وَ لَا أَرِثُ أَبِي[١] وَ احْتَجَّ عَلَيْهَا بِرِوَايَةٍ تَفَرَّدَ هُوَ بِهَا عَنْ جَمِيعِ
[١] قال ابن أبي الحديد، في شرح النهج ج ٤ ص ٨٦: و اعلم أن الناس يظنون: أن نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين: في الميراث، و النحلة، و قد وجدت في الحديث: أنها نازعت في أمر ثالث، و منعها أبو بكر إياه أيضا، و هو سهم ذي القربى.
أقول: ادعاؤها الإرث إنما هو في الفيىء و صفايا الرسول( ص).
و في مطالبتها بالفيىء وجهان:
الأول: كون الفيىء ملكا شخصيا للنبي( ص، دون الأنفال، و الخمس، و الغنائم، كما ذكره الثعالبي في سورة الحشر، آية( ٦ و ٧)، راجع: آيات الأحكام للجصاص ج ٣ ص ٤٣٠، و الدر المنثور ج ٦ ص ١٩٢، و السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٦٨، ج ٣ ص ٣٦١ و في هامشها سيرة زيني دحلان ج ٢ ص ١٠٠ و في الحلبية: أن عمر قال: يا رسول اللّه، ألا تخمس ما أصبت؟ فقال رسول اللّه( ص):« لا أجعل شيئا جعله اللّه لي دون المؤمنين، بقوله تعالى:« ما أفاء اللّه على رسوله( الآية) كهيئة ما وقع فيه السهمان».
الثاني: أن رسول اللّه( ص)، قسم فيىء بني النضير و غيره على رجال منهم أبو بكر و الزبير، و اصطفى لنفسه منه ما يصرف منافعه في نوائبه، من نفقة أهله، و أزواجه، و مصارفه الأخرى، كما كان يصطفي الجواري، و الفرس من خمس الغنائم، و الصفي ملك شخصي له من دون أي ارتياب، إذ لم يقل أحد إن صفايا رسول اللّه( ص) من الغنائم، ليست ملكا شخصيا له، و لم يدع ذلك أبو بكر أيضا، إذ ترك الدار و الإرث لأزواجه، فاذا توفاه اللّه ورثته ابنته، و ولده، دون غيرهم، و لا يجوز لأحد أن يقول بملك أبي بكر، و الزبير، و المهاجرين لما قسم( ص) فيهم من أموال بني النضير، دون رسول اللّه( ص) ...
فلما منع أبو بكر فاطمة إرث أبيها قالت:« ثم أنتم الآن تزعمون: أن لا إرث لي، أفحكم الجاهلية تبغون؟ و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون، إيها معاشر المسلمين ابتز إرث أبي، أبا للّه أن ترث يا ابن أبي قحافة أباك، و لا أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا»( راجع: شرح النهج لابن أبي الحديد ج ٤ ص ٧٩ و ٩٢، و أعلام النساء ج ٣ ص ٢٠٨( ط دمشق)، و بلاغات النساء ص ١٤ ط الحيدرية).
فاضطرب أبو بكر من كلامها فتمسك بحديث( لا نورث)، الذي تفرد به عن جميع الأصحاب، من أهل النبي( ص) و غيرهم، و لو كان هذا الحديث صحيحا لسمعته أزواج النبي( ص) منه، و لذا ادعى أزواجه عدا عائشة إرث بعلهن، و طالبن به؟؟؟ رواه عدة من أعلام القوم، منهم: البخاري في الصحيح ج ٥ ص ١٨٧، و مالك في الموطأ ج ٢ ص ٢٥٦، و ابن كثير في النهاية ج ٤ ص ٢٠٣، و ابن أبي الحديد في شرح النهج ج ٤ ص ٨٣-.- فترى أن أزواج النبي( ص) كن يعتقدن أنهن يرثن منه( ص)، و لم يسمعن منه هذا الحديث المختلق، المخالف لكتاب اللّه، بل بعد وفاته لم يتكلم به أحد إلى عشرة أيام.
و قد تقدم أن الفيىء ملك خالص له( ص) بنص القرآن، و ليس للمسلمين فيه حق، كما صرح به( ص) في جواب سؤال عمر.
و أخرج ابن سعد في الطبقات ج ٢ ص ٣١٥ كلاما لعلي عليه السلام، يعرف منه اختلاق هذا الحديث، قال: جاءت فاطمة إلى أبي بكر تطلب ميراثها، و جاء العباس بن عبد المطلب يطلب ميراثه، و جاء معهما علي، فقال أبو بكر: قال رسول اللّه( ص): لا نورث، ما تركناه صدقة، و ما كان النبي يعول فعلي، فقال علي: ورث سليمان داود، و قال زكريا: يرثني و يرث من آل يعقوب؟ قال أبو بكر: هو هكذا، و أنت و اللّه تعلم مثل ما أعلم، فقال علي: هذا كتاب اللّه ينطق ... الحديث، و في شرح النهج ج ٤ ص ٨١ عن أبي الطفيل، قال: أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت ورثت رسول اللّه( ص) أم أهله؟ قال: بل أهله. قال: قلت: في هذا الحديث عجب، لأنها قالت: أنت ورثت رسول اللّه( ص) أم أهله؟ و هذا تصريح بأنه( ص) موروث يرثه أهله، و هو خلاف قوله لا نورث ..
ثم هناك قول علي( ع):« بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء»( نهج البلاغة).
و أما مطالبتها( ع) بالنحلة، و هي« فدك»، فقد أسلفنا جملة من مصادره فيما سبق.
أضف إلى ذلك كلامها مع علي( ع)، بعد رجوعها من المسجد:« هذا ابن أبي قحافة، يبتزني نحيلة أبي، و بليغة ابني»، راجع مكاتيب الرسول للعلامة الأحمدي ج ٢ ص ٥٨١( ط بيروت).
أضف إلى ذلك: ما ذكره أعلام القوم، من كلام بضعة الرسول( ص)، و شهادة علي( ع)، و أم أيمن، راجع: شرح النهج ج ٤ ص ٨٠ و ٨٢ و الصواعق ص ٢٢ و السيرة الحلبية ج ٣ ص ٣٦٢، و وفاء الوفاء ج ٢ ص ١٦١
ثم طلب أبو بكر البينة لما ادعت أنها نحلتها، كما في الكتب المذكورة.
و تدل أيضا: على أنها( ع) أصيبت بأبيها خير الآباء، فجلست حزينة كئيبة مشغولة بالعزاء إلى أن مضت عشرة أيام، فبلغها أن أبا بكر أخرج عمالها من فدك. راجع: مكاتيب الرسول ج ٢ ص ٥٨١، و شرح النهج ج ٤ ص ٩٧
و مطالبتها بسهم ذوي القربى قد أخرجه كثير من الأعلام راجع: السيرة الحلبية ج ٣ ص ٣٦٢، و فتوح البلدان ص ٤٤ و وفاء الوفاء ج ٢ ص ١٥٧، و صحيح مسلم ج ٢ ص ١٤٣، و معجم البلدان ج ٤ ص ٢٣٩، و شرح النهج ج ٤ ص ٨٦.-.- و مطالبتها بسهم رسول اللّه( ص) من الغنيمة و الفيىء، قد ذكره أعاظم القوم. راجع:
كنز العمال ج ٣ ص ١٢٥ عن أم هانىء، و ج ٤ ص ٥٢، و السيرة الحلبية ج ٣ ص ٣٦١، و البداية و النهاية ج ٥ ص ٢٨٩، و صحيح مسلم ج ٢ ص ١٤٣.
و مطالبتها بصدقات رسول اللّه( ص)، و قد صرح به أعاظم القوم، منهم: المتقي في كنز العمال ج ٣ ص ١٢٩، و السمهودي في وفاء الوفاء ج ٢ ص ١٥٧، و مسلم في صحيحه ج ٣ ص ١٤٤ و الحلبي في السيرة الحلبية ج ٣ ص ٣٦١، و شرح النهج لابن أبي الحديد ج ٤ ص ٨٦.