موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٨ - الفصل الاول البيئة العربية و الظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام؟
لا شكّ أنّه كانت هناك في جزيرة العرب بعض الحضارات، إلاّ أنّها لم تكن في كلّ الجزيرة بل عدّة نقاط منها، كحضارة قوم سبأ أصحاب سدّ مأرب في اليمن، فإنّها حضارة لا تنكر، ففضلا عمّا ذكر عنها في التوراة الحاضرة و ما نقل عن «هرودوت» و «ارتميدور» المؤرخين اليونانيّين قبل الميلاد، نرى المؤرخ الشهير المسعودي يقول في وصفها:
«ذكر أصحاب التأريخ القديم: أنّ أرض سبأ كانت من أخصب أرض اليمن و أثراها و أغدقها، و أكثرها جنانا و غيطانا و أفسحها مروجا، مع بنيان حسن و شجر مصفوف، و مساكب للماء متكاثفة و أنهار متفرّقة. و كانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجدّ على هذه الحالة، و في العرض مثل ذلك، و إنّ الراكب و المارّ كان يسير في تلك الجنان من أوّلها إلى أن ينتهي إلى آخرها لا تواجهه الشمس و لا تعارضه لاستتار الأرض بالعمارة الشجريّة.
و استيلائها عليها و إحاطتها بها. و كان أهلها في أطيب عيش و أرفهه، و أهنأ حال و أرغد قرى، و في نهاية الخصب و طيب الهواء و صفاء الفضاء و تدفّق الماء، و قوّة الشوكة و اجتماع الكلمة و نهاية المملكة، و كانت بلادهم في الأرض مثلا، و كانوا على طريقة حسنة من اتّباع شريف الأخلاق، و طلب الأفضال بحسب الإمكان و ما توجبه القدرة من الحال، فمكثوا على ذلك ما شاء اللّه من الأعصار، لا يعاندهم ملك إلاّ قصموه، و لا يوافيهم جبّار في جيش إلاّ كسروه، فذلّت لهم البلاد، و أذعن لطاعتهم العباد، فصاروا تاج