موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٧ - الفصل الاول البيئة العربية و الظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
بعث فيهم رسولا من انفسهم يزكّيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة، لما كنّا نعايش اليوم نسلا من عدنان، بل كانوا قد التحقوا بالعرب البائدة، و كانت تتجدّد قصّة اخرى عن هؤلاء البائدين.
إنّ شيوع الجهل و الخرافات و الفساد فيهم كان قد قرّب حياتهم من حياة الحيوانات، بحيث ينقل لنا التأريخ قصصا متعددة عن حروب امتدّت خمسين سنة بل مائة، و لم تبدأ إلاّ على مواضع حقيرة لا يعبأ بها.
إنّ عدم وجود حكومة متنفّذة بينهم تضرب على أيدي الطغاة و البغاة من ناحية، و من ناحية اخرى سوء الوضع الجغرافي للجزيرة من حيث الماء و الكلأ، كانا عاملين جعلا أكثر العرب من البدو الرحّل يجوبون الصحاري برواحلهم كلّ عام سعيا وراء الماء و الكلأ، و إذا رأوا أثرا منهما نصبوا خيامهم حولها، و إذا علموا-أو أخبرهم رائدهم-بمكان أنفع ممّا هم فيه بدءوا الرحلة من جديد.
إنّ الجهل و الفقر و فقدان النظام كان قد خيّم على بيئة الجزيرة العربية بصورة ظاهرة بحيث أصبحت لهم تلك العادات القبيحة امورا اعتيادية، فكثرت فيهم الغارات، و اسر بعضهم، و تداول فيهم الربا و الخمر و الميسر.
انّهم كانوا يثنون على المروّة و يمجّدون بالشجاعة، لكنّ مفهوم الشجاعة لديهم كان عبارة عن قتل أكبر عدد ممكن و سفك الدّماء أكثر فأكثر. و كذلك الغيرة كانت لديهم بمعنى وأد البنات في القبور و هنّ أحياء.
و يرون الوفاء ان ينصروا عشيرتهم و حلفاءهم في كلّ شيء سواء كانوا على حقّ أم باطل.
لا يسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على ما قال برهانا