دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ٢٧ - إذا عرفت هذا فيقع البحث في التجرّي
فجعل عنوان البحث: أنّ التجرّي هل يكون قبيحا أم لا؟ فهل ينطبق عليه عنوان المسألة الاصوليّة أم لا؟ لقائل أن يقول باصوليّته؛ إذ البحث إن انتهى إلى قبح التجرّي فيمكن بضميمة قاعدة الملازمة- أي كلّ ما حكم العقل بقبحه حكم الشرع بحرمته- إليه استنباط الحكم الفقهي، و هو أنّ التجرّي من المحرّمات في الشريعة، و معلوم أنّ هذا ضابطة لاصوليّة المسألة.
و جوابه: أوّلا: أنّ ملاك الاصوليّة أن تقع نتيجة البحث في كبرى القياس، كقولنا: «صلاة الجمعة ما دلّ خبر الواحد المعتبر على وجوبه»، و «كلّ ما دلّ الخبر على وجوبه فهو واجب»، فصلاة الجمعة بما أنّها دلّ الخبر على وجوبها تكون واجبة، بخلاف ما نحن فيه، فإنّا نقول: «التجرّي قبيح عقلا»، و «كلّ ما حكم العقل بقبحه فهو حرام شرعا»، فالتجرّي حرام شرعا، و أنت ترى وقوع مسألة الملازمة في كبرى القياس و وقوع مسألة التجرّي في صغرى القياس.
و ثانيا: أنّ جريان قاعدة الملازمة محدود بالنسبة إلى الحسن و القبح الواقعين في رتبة متقدّمة على الحكم الشرعي و سلسلة علله، نظير حكم العقل بقبح الظلم، و استكشاف حرمته شرعا من قاعدة الملازمة، و إذا كان حكم العقل في رتبة متأخّرة عن حكم الشرع فلا مجال لقاعدة الملازمة، نظير حكم العقل بقبح المعصية، فإنّه متأخّر عن حكم الشرع بحرمة شرب الخمر مثلا، و هكذا التجرّي متأخّر عن حكم الشرع بحرمة شرب الخمر و القطع بخمريّة مائع و شربه بنيّة المعصية، فصدق التجرّي متوقّف على ذلك، و لذا لا محلّ لجريان قاعدة الملازمة هنا، فلا يمكن أن يكون التجرّي بهذه الكيفيّة من مسائل علم الاصول.