دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ٥٥ - المسألة الثالثة أنّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه) صرّح بأنّ السؤال عن شقاوة الإنسان و سعادته يكون بمنزلة السؤال عن ناطقيّة الإنسان و ناهقيّة الحمار؛
و يمكن أن يتوهّم أنّ الكفر و الإيمان و السعادة و الشقاوة لا تكون من قبيل أجزاء الماهيّة و لوازمها، بل تكون من قبيل الوجود و عوارضه، فكما أنّ وجود الإنسان ليس باختياري له كذلك قصر قامته و سواد لونه و كونه جميلا و نحو ذلك، و هكذا سعادته و شقاوته و إيمانه و كفره يكون من الامور الغير الاختياريّة له، فالسعيد لا بدّ و أن يكون سعيدا، و الشقيّ لا بدّ و أن يكون شقيّا و لعلّ قول الشاعر ناظرا إلى هذا المعنى:
گليم بخت كسى را كه بافتند سيا* * * به آب زمزم و كوثر سفيد نتوان كرد
و فيه: أنّ عروض الحالات المتضادّة و المختلفة للإنسان في طول حياته أقوى دليل على عدم صحّة التشبيه المذكور، كما يستفاد من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ... [١].
و هذا دليل على أنّ الإيمان و الكفر لا يكونا من قبيل قصر القامة الذي لا ينفك عن الإنسان إلى آخر العمر.
و لكن عرفت أنّ الإنسان مع كونه مختارا في أعماله و أفعاله لا يكون مستقلّا فيها، فعبارة «بحول اللّه أقوم و أقعد» يعني صدور القيام و القعود يكون عن اختيار، مع استنادهما إلى قدرة اللّه تعالى و قوّته؛ و من هنا يقول تبارك و تعالى في القرآن: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [٢]، و عدم الاستقلال ليس بمعنى الإجبار و عدم الاختيار، فلا يصحّ المقايسة بين الكفر و الإيمان و عوارض الوجود مثل قصر القامة، و الحاكم بالفرق بينهما هو الوجدان
[١] النساء: ١٣٧.
[٢] الأنفال: ١٧.