دراسات في الأصول / تقريرات - السيد صمد علي الموسوي - الصفحة ٢٢٤ - الدليل الأوّل الكتاب
و فيه: أوّلا: أنّه لا يوجد في الآية ما يدلّ على تقييد العذاب بالدنيوي عدا استعمال فعل الماضي في قوله تعالى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ، إلّا أنّ سياقه ليس هو الإخبار عن الامم السابقة، بل سياقه نفي الشأنيّة، حيث ليس من شأنه تعالى أن يعذّب الناس قبل البيان و إتمام الحجّة، و هذه سنّة اللّه من دون فرق بين الامم السابقة و اللّاحقة و لا بين الدّنيا و الآخرة.
و ثانيا: أنّ الآية الشريفة تناسب إرادة معنى عاما بلحاظ وقوعها بين الآيات الدالّة على العذاب الاخروي و الدنيوي، فإنّ الآية المتقدّمة عليها قوله تعالى: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً* اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [١].
و الآية المتأخّرة عنها قوله تعالى: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [٢]، فتكون الآية الشريفة صالحة للاستدلال بها بلحاظ إرادة المعنى العام منها.
و ثالثا: سلّمنا أنّ المراد من الآية هو الإخبار عن عدم وقوع العذاب على الامم السابقة في الدنيا إلّا بعد البيان بقرينة التعبير بلفظ الماضي، إلّا أنّ دلالة الآية على نفي العذاب الاخروي- الذي هو أشدّ بمراتب من العذاب الدنيوي- ستكون بطريق أولى، و بالأولويّة التي يستفادها العقل و العرف يتمّ المطلوب.
الوجه الثاني: ما عن المحقّق الخراساني (قدّس سرّه) [٣] من أنّ صحّة التمسّك بالآية مبنيّة على عدم استحقاق العقاب الذي هو ملاك البراءة، و لكنّها لا تدلّ إلّا
[١] الإسراء: ١٣- ١٤.
[٢] الإسراء: ١٦.
[٣] كفاية الاصول ٢: ١٦٧.