التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٥ - مقارنة عابرة
الصدور وقبلته النفوس لأساليب حسنة، وإشارات لطيفة، تكسبه بيانا وتصوّره في القلوب تصويرا.
فمن أحسن المبالغة وأغربها عند الحذّاق: التقصّي، وهو بلوغ الشاعر أو المتكلّم مايمكن من وصف الشيء، كقول عمروبن الأيهم التغلبيّ:
|
ونكرم جارنا مادام فينا |
ونتبعه الكرامة حيث كانا |
|
ومن أغربها أيضا ترادف الصفات، وفي ذلك تهويلٌ مع صحّة لفظ لاتحيل معنىً، كقول اللّه تعالى:
«أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ».[١]
فأمّا الغلوّ فهو الذي ينكره من ينكر المبالغة ... ويقع فيه الاختلاف، من ذلك قول امرئ القيس:
|
كأنّ المدامَ وصوبَ الغمام |
وريحَ الخزامىونشرَ القُطُر |
|
|
يُعَلُّ به بردُ أنيابها |
إذا غرّد الطائر المستحر |
|
فوصف فاها بهذه الصفة سحرا عند تغيّر الأفواه بعد النوم، فكيف تظنّها في أوّل الليل؟! فقد بالغ وأتى بالمستحيل، فكان كذبا صريحا وهجنة في الكلام. ومثل ذلك قوله يصف نارا:
|
نظرت إليها والنجوم كأنّها |
مصابيح رهبان تُشَبُّ لقُفّال |
|
وفيه من الإغراق مايلحقه بالمستحيل، يقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تشبّ لقفّال، والنجوم كأنّها مصابيح رهبان. وقد قال:
|
تنوّرتها من أذرعات وأهلها |
بيثرب أدنى دارها نظر عال |
|
[١] - النور ٤٠: ٢٤.