التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٨ - مقارنة عابرة
وأرداف متمحّل فيها، ليس فيها تلك الروعة والجمال البارع الذي نجده في قوله تعالى من سورة الفجر: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ. وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ. وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ...».[١]
إنّه تعالى ذكر الظالمين وأردف ذكرهم بما يهول من عظيم قدرتهم وخطير فسادهم في الأرض، وأخيرا كان مآلهم إلى سياط الجحيم. «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ».[٢] «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ».[٣]
هذا هو اسلوب القرآن في وعظه الحكيم، يهدّ الإنسان هدّا، ويهزّ من مشاعره هزّا، ثمّ يهيمن عليه بسطوة بيانه وقوّة كلامه في كلا تبشيره وإنذاره!
*** وهذا امرؤ القيس، ألمع شعراء الجاهلية، نراه في أجود قصائده، قد ضاق به الكلام حتى لجأ إلى غرائب الألفاظ الوحشيّة غير المأنوسة ولامألوفة الاستعمال، كالعقنقل والسجنجل والكهنبل والمستشزرات وأمثالها ممّا تركها سائر العرب حتى عافتها كتب تراجم اللغة! الأمر الذي عيب على امرئ القيس.
كما عيب استعماله كلمات لاموضع لها ولا مناسبة مع مقصود شعره، قال- في مطلع قصيدته المعلّقة-:
|
قفا نبك من ذكر حبيب ومنزل |
بسقط اللوى بين الدخول فحومل |
|
|
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها |
لما نسجتها من جنوب وشمأل |
|
لم يقتنع في وصف المنزل بقوله «بسقط اللوى» حتى أكمل بيان حدوده الأربعة، جنوبا وشمالًا وشرقا وغربا، كأنّما يريد بيع منزله، فيخشى أن أخلّ بحدٍّ منه أن يفسد بيعه
[١] - الفجر ٦: ٨٩- ١٤.
[٢] - الانشقاق ٦: ٨٤.
[٣] - الزلزلة ٧: ٩٩- ٨.