التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٧ - مقارنة عابرة
وقد مرّت عليك نماذج من خُطَب العرب وأشعارهم وكانت من النمط الأرقى المعروفة يومذاك. فإذا ماقارَنْتَها مع آي القرآن الحكيم واسلوبه البديع، تجد هذا الفرق بوضوح.
مثلًا، هذا «قسّ بنساعدة الأيادي»[١] ما تزال العرب تفتخر بجلائل خطبه القديمة حتى اليوم، في حين أنّها لاتعدو سرد ألفاظ لافائدة في ذكرها سوى تلفيق سجع أو رعاية وزن، لاغير. وإليك من خطبه: «أيّها الناس، اجتمعوا فاسمعوا وعوا. من عاش مات، ومن مات فات، وكلّ ماهو آت آت. في هذه آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وامّهات، وذاهب وآت، نجومٌ تَمُور، وبحور لاتغور، وسقف مرفوع، ومِهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج. مالي أرى الناس يموتون ولايرجعون؟! أَرَضُوا فأقاموا، أمْ حُبِسوا هناك فناموا. يامعشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد، أين المعروف الذي لم يُشكر، والظلم الذي لم ينكر، اقْسَمَ قُسٌّ قَسَما باللّه، أنّ للّه دِينا هو أرضى من دينكم هذا ...».
*** هذا وقد أعجب صاحب كتاب «الإعجاز في دراسات السابقين» هذا الكلامُ العربيّ القديم فقال في وصفه: إنّه ثمرة من ثمار البلاغة العربيّة الطيّبة الناضجة.! وضربه مثلًا لما كان للعرب من خطب مفحمة وحكم رائعة معجبة، يترقرق عليها ماء الحُسن والملاحة، فيها روعة آسرة وجمال أخّاذ ... إلى آخرما يقول في تقريض بيان أسلافه أعراب البادية الأقحاح![٢]
ولكن ... ياترى، أيّة ميزة لهذا الكلام الذي يشبه كلام الكهنة في أسجاع متكلّف بها،
[١] - كان أخطب العرب وكان يضرب به المثل« أخطب من قُسّ بن ساعدة». يقال شهده النبي صلى الله عليه و آله وهو يخطب في سوق عكاظ، وقد اعترفت العرب بفضله وببيانه. راجع البيان والتبيين للجاحظ، ج ١، ص ١٦٣.
[٢] - الإعجاز في دراسات السابقين، ص ٥٠٣.