التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٥ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
بسلامةِ ألفاظه عن التعقيد الحاصل في مثل قول بعضهم:
|
وَقَبْرِ حَرْبٍ بِمَكانٍ قَفْرُ |
وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ |
|
وهذا فاسدٌ لأمرين:
أمّا أوّلًا: فلأنّ أكثر كلام الناس خالٍ عن التعقيد في الشعر، والخطب، والرسائل، فيلزم كونها معجزةً.
وأمّا ثانيا: فلأنّه لوكان الأمر كما زعموهُ لم يفترق الحالُ بين قوله تعالى: «وَ مِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ. إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ. أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ»[١] وبين قول من قال: وأعظمُ العلاماتِ الباهرة جَريُ السّفُن على الماء، فإمّا أن يريدَ هبوبَ الريح فتجري بها، أو يُريدَ سكونَ الريح فتَرْكُدَ على ظهْره، أو يُريد إهلاكُها بالإغراق بالماء لأنّ ما هذا حالهُ من المعارضة سالمٌ عن التعقيد، فكان يلزم أن يكون هذا الكلام معارضا للآية، لاشتراكها في الخفّة والبَراءة عن الثقَل والتعقيد.
ومن وجهٍ ثالث: وهو أنّه كان يلزم أن لا يقعَ تفاوت بين قوله تعالى: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ»[٢] وبين قول العرب «القتلُ أنفى للقتل» لاشتراكهما جميعا في السلامة عن الثقل وهذا فاسدٌ.
المذهب السادس: قول من زعم أنّ الوجه في الإعجاز إنّما هو اشتمالُه على الحقائق وتضمّنه للأسرار والدقائق التي لا تزال غَضَّةً طريَّةً على وجه الدهر، ما تَنالُ لها غايةٌ، ولا يوقف لها على نهاية، بخلاف غيره من الكلام، فإنّ ما هذا حالُه غيرُ حاصل فيه، فلهذا كان وجه إعجازه، وهذا فاسدٌ أيضا لأمرين:
أمّا أوّلًا: فلأنّ الأصل في وجه الإعجاز أن يكون القرآن متميّزا به لايشاركه فيه غيره، وما ذكرتموه من هذه الخصلة فإنّها مشتركة، وبيانُه هو أنّا نرى بعض من صنّفَ كتابا
[١] - الشورى ٣٢: ٤٢- ٣٤.
[٢] - البقرة ١٧٩: ٢.